صفحة جزء
وأحمد قال بالاستحسان لأجل الفارق بين صورة الاستحسان وغيرها، وهذا من باب تخصيص العلة للفارق المؤثر، وهذا حق. وأنكر الاستحسان إذا خصت العلة من غير فارق مؤثر، ولذا قال: "يدعون القياس الذي هو حق عندهم للاستحسان "، وهذا أيضا هو الاستحسان الذي أنكره الشافعي وغيره، وهو منكر كما أنكروه. فإن هذا الاستحسان وما عدل عنه من القياس المخالف له يقتضي فرقا وجمعا بين الصورتين بلا دليل شرعي، بل بالرأي الذي لا يستند إلى بيان الله ورسوله وأمر الله ورسوله، فهو ليس له وضع الشرع أبدا، وقد قال تعالى: أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله .

وذلك أنه إذا كان القياس لم ينص الشارع على علته، ولا دل [ ص: 197 ] لفظ الشرع على عموم المعنى فيه، ولكن رأى الرائي ذلك لمناسبة أو لمشابهة ظنها مناط الحكم، ثم خص من ذلك المعنى صورا بنص يعارضه كان معذورا في عمله بالنص. لكن مجيء النص بخلاف تلك العلة في بعض الصور دليل على أنها ليست علة تامة قطعا، فإن العلة التامة لا تقبل الانتقاض. فإن لم يعلم أن مورد النص مختص بمعنى يوجب الفرق لم يطمئن قلبه إلى أن ذلك المعنى هو العلة، بل يجوز أن تكون العلة معنى آخر، أو أن يكون ذلك المعنى بعض العلة، وحينئذ فلا يفترق الحكم من جميع موارد ما ظنه علة.

وإن كان مورد الاستحسان هو أيضا معنى ظنه مناسبا أو مشابها فإنه يحتاج حينئذ إلى أن يثبت ذلك بالأدلة الدالة على تأثير ذلك الوصف، فلا يكون قد ترك القياس إلا لقياس أقوى منه، لاختصاص صورة الاستحسان بما يوجب الفرق بينها وبين غيرها، فلا يكون حينئذ لنا استحسان يخرج عن نص أو قياس.

وهذا هو الذي أنكره الشافعي وأحمد وغيرهما في الاستحسان، وما قال به فإنما هو عدول عن أنه قياس، لاختصاص تلك الصورة بما يوجب الفرق. وحينئذ فلا يكون الاستحسان الصحيح عدولا عن قياس صحيح، والقياس الصحيح لا يجوز العدول عنه بحال.

وهذا هو الصواب، كما قد بسطناه في مصنف مفرد، بمناسبة [ ص: 198 ] أنه ليس في الشرع شيء بخلاف القياس الصحيح أصلا . وعلى هذا فصور الاستحسان المعدول بها عن سنن القياس يقاس عليها عند أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إذا عرف المعنى الذي لأجله ثبت الحكم فيها.

وذكروا عن أصحاب أبي حنيفة أنه لا يقاس عليها، وهو من جنس تخصيص العلة والاستحسان، فإن من جوز التخصيص والاستحسان من غير فارق معنوي قال: المعدول به عن سنن القياس لا يجب أن يكون لفارق معنوي، فلا يقاس عليه، لأن من شرط القياس وجود العلة وتفريقها. ومن قاس قال: بل لا يكون إلا لفارق، فإذا عرفناه قسنا.

قال القاضي وغيره: مسألة: المخصوص من جملة القياس [ ص: 199 ] يقاس عليه ويقاس على غيره، أما القياس عليه فإن أحمد قال في رواية ابن منصور : "إذا نذر أن يذبح نفسه يفدي نفسه بذبح كبش"، فقاس من نذر ذبح نفسه على من نذر ذبح ولده، وإن كان ذلك مخصوصا من جملة القياس. وإنما ثبت بقول ابن عباس .

وأما قياسه على غيره فإن أحمد قال في رواية المروذي: يجوز شرى أرض السواد، ولا يجوز بيعها، فقيل: كيف تشترى ممن لا يملك؟ فقال: القياس كما تقول، ولكن هذا استحسان. واحتج بأن الصحابة رخصوا في شرى المصاحف دون بيعها. وهذا يشبه ذاك.

قال: فقد قاس مخصوصا من جملة القياس على مخصوص من جملة القياس. وبهذا قال الشافعي.

وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يقاس على غيره ولا يقاس [غيره] عليه، إلا أن تكون علته منصوصة أو مجمعا على جواز القياس عليه . [ ص: 200 ]

فالمنصوص كقوله: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات " . والمجمع عليه كالتحالف في الإجارة قياسا على التحالف في البيع، لاتفاق من أوجب التحالف في البيع أن حكمهما سواء . والممنوع مثل قياس الجنازة على الصلاة في الإسقاط بالقهقهة، وإسقاط الكفارة في الاستقاءة لا يقاس عليه الأكل، والوضوء بنبيذ التمر لا يقاس عليه غيره من الأنبذة، وجواز البناء على صلاته إذا أحدث لا يقاس عليه من أمنى بالاحتلام ونحوه .

واحتج أصحاب الشافعي وأحمد بحجج، وهذا لفظ القاضي أبي يعلى، قال : وأيضا فإنا إذا قسنا على المخصوص، أو قسنا [ ص: 201 ] المخصوص على غيره، وحملنا النبيذ على غيره من المائعات، والقهقهة على الكلام، فإن مخالفنا يعترف بصحة القياس، وأنه يجب حمل النبيذ على غيره من المائعات والقهقهة على الكلام، ويدعي أنه استحسن تركه لما هو أولى منه .

قالوا: وهذا غير صحيح لوجهين:

أحدهما: أنه يلزمه أن يبين الأولى، وإلا حكم القياس متوجه عليه. وهذا كما لو قال: القرآن يدل على كذا، ولكن تركته للسنة، فتكون حجة القرآن لازمة له ما لم يبين السنة التي هي أقوى من القرآن، ولا يكفي في ذلك مجرد الدعوى.

والثاني: أنه يدعي أن الاستحسان أقوى من القياس، فلهذا تركه. والقياس إذا عارضه دليل أقوى منه كان القياس باطلا، ولم يكن له حكم. كما لو عارضه نص كتاب أو سنة أو إجماع. ولما حكم بصحة القياس هاهنا امتنع أن يكون ما عارضه أقوى منه ومانعا من استعماله .

قلت: مضمون هذا إبطال أن يكون هذا مخصوصا من جملة القياس، وقياسه على سائر الصور، وهذا إبطال للاستحسان، وهذا يقتضي أن الاستحسان إذا خالف القياس لزم بطلان الاستحسان إن كان القياس صحيحا، أو بطلان القياس إن كان الاستحسان المعارض [ ص: 202 ] له صحيحا. وهذا لا يتوجه فيمن يقول بالاستحسان، وجعل معارضة الاستحسان للعفة كمعارضته لحكمها، وهذا قول نفاة الاستحسان مطلقا.

والتحقيق في ذلك أنه إذا تعارض القياس والاستحسان فإن لم يكن بينهما فرق، وإلا لزم بطلان أحدهما، وهو مسألة تخصيص العلة بعينها. فإن لم يكن بين الصورة المخصوصة وغيرها فرق لزم التسوية، وحينئذ فإما أن تكون العلة باطلة، وإما أن يكون تخصيص تلك الصورة باطلا.

وهذا هو الصواب في هذا كله، وهو الذي ينكره الشافعي وأحمد وغيرهما على القائلين بالقياس والاستحسان الذي يخالفه، فإنهم لا يأتون بفرق مؤثر بينهما، كما لم يأتوا بفرق مؤثر بين نبيذ التمر وغيره من المائعات، ولا بين القهقهة في الصلاة التي فيها ركوع وسجود وبين صلاة الجنازة وغيرهما مما يشترطون فيه الطهارة./

وذكروا أدلة أخرى جيدة، كقولهم- واللفظ للقاضي -:

وأيضا فإن ما ورد به الأثر قد صار أصلا بنفسه، فوجب القياس عليه كسائر الأصول . وليس رد هذا الأصل لمخالفة تلك الأصول له بأولى من رد تلك الأصول لمخالفة هذا الأصل، فوجب إعمال كل [ ص: 203 ] واحد منهما في مقتضاه، وإجراؤه على عمومه. وأيضا فإن القياس يجري مجرى خبر الواحد، بدليل أن كل واحد منهما يثبت بغالب الظن. ثم ثبت أنه يصح أن يرد مخالفا لقياس الأصول، كذلك القياس مثله .

قلت: ومن هذا الباب جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة بعرفة ومزدلفة، لو لم يرد به نص في أسفار أخر. وأما قصره الصلاة بعرفة بأهل مكة وغيرهم فليس مخالفا لعادته، فإنه مازال يقصر في السفر، بل هو بيان استواء السفر الطويل والقصير في ذلك . فأما منع قصر المكيين فهو مخالف للسنة الثابتة بلا ريب . وإنما خالف ذلك من [ ص: 204 ] غفل عن هذه السنة. وأما قصر غير المكيين فلأن القصر ليس من خصائص الحج ولا متعلقا به. وإنما هو متعلق بالسفر طردا وعكسا.

وكلامهم في هذه المسألة يقتضي أن ما قيل فيه إنه خالف القياس في صور الاستحسان فلا بد أن يكون قياسه فاسدا، أو أن يكون تخصيصه بالاستحسان فاسدا، إذا لم يكن هناك فرق مؤثر. وهذا هو الصواب في هذا الباب.

قالوا : واحتج المخالف بأن إثبات الشيء لا يصح مع وجود ما ينافيه، فلما كان القياس مانعا مما ورد به الأثر لم يجز لنا استعمال القياس فيه، لأنه لو جاز ذلك لم يكن فرق بينه وبين سائر الأصول التي يمنع قياسها منه. فكان يخرج حينئذ من كونه مخصوصا من جملة القياس.

قالوا: والجواب عنه من وجهين:

أحدهما: أنا لا نسلم أن هاهنا ما ينافيه، لأن المنافاة تكون بدليل خاص، وما يذكرونه في هذه المسائل ليس بدليل خاص لما نذكره من التأويل.

والثاني: أن المنافاة إنما تحصل بقياسه على غيره في إسقاط حكم النص، فأما قياس غيره عليه فلا ينافيه، لأنه لا يسقط حكم النص عندهم، فيصح القياس عليه . [ ص: 205 ]

قلت: هذا الثاني جواب عن قياس غيره عليه، والأول جواب عن قياسه على غيره، ومنع لكونه مخصوصا من جملة القياس.

والتحقيق أنه وإن كان مخصوصا من جملة القياس فهو مخصوص من قياس معين، لا من كل قياس، وإنما يخص لمعنى فيه يوجب الفرق بينه وبين غيره. فإذا قيس عليه غيره بذلك المعنى لم يناف ذلك كونه مخصوصا من ذلك القياس الأول.

وحقيقة هذا كله أنه قد يثبت الحكم على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر، فمن يقول بالاستحسان من غير فارق مؤثر، وبتخصيص العلة من غير فارق مؤثر، وبمنع القياس على المخصوص، يثبت أحكاما على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر.

وهذا هو الاستحسان الذي أنكره الأكثرون، كالشافعي وأحمد وغيرهما، وهم تارة ينكرون صحة القياس الذي خالفوه لأجل الاستحسان، وتارة ينكرون مخالفة القياس الصحيح لأجل ما يدعونه من الاستحسان الذي ليس بدليل شرعي، وتارة ينكرون صحة الاثنين، فلا يكون القياس صحيحا، ولا يكون ما خالفوه لأجله صحيحا، بل كلا الحجتين ضعيفة، وإنكار هذا كثير في كلام هؤلاء.

التالي السابق


الخدمات العلمية