صفحة جزء
وأما العمريتان فليس في القرآن ما يدل على أن للأم الثلث [ ص: 308 ] مع الأب والزوج، بل إنما أعطاها الله الثلث إذا ورثت المال هي والأب، فكان القرآن قد دل على أن ما ورثته هي والأب تأخذ ثلثه، والأب ثلثيه. واستدل بهذا أكابر الصحابة: كعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد رضي الله عنهم وجمهور العلماء، على أن ما يبقى بعد فرض الزوجين، يكونان فيه أثلاثا، قياسا على جميع المال إذا اشتركا فيه، وكما يشتركان فيما يبقى بعد الدين والوصية.

ومفهوم القرآن ينفي أن تأخذ الأم الثلث مطلقا، [فمن أعطاها الثلث مطلقا] حتى مع الزوجين، فقد خالف مفهوم القرآن. وأما الجمهور فقد عملوا بالمفهوم، فلم يجعلوا ميراثها إذا ورثه أبوه كميراثها إذا لم يرثه، بل إن ورثه أبواه فلأمه الثلث مطلقا، وأما إذا لم يرثه أبواه، بل ورثه مع من دون الأب: كالجد والعم والأخ، فهي بالثلث أولى، فإنها إذا أخذت الثلث مع الأب [ ص: 309 ] فمع غيره من العصبة أولى.

فدل القرآن على أنه إذا لم يرثه إلا الأم والأب، أو عصبة غير الأب سوى الابن، فللأم الثلث وهذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. وأما الابن فإنه أقوى من الأب، فلها معه السدس.

بقي إذا كان مع العصبة ذو فرض، فالبنات والأخوات قد أعطي للأم معهن السدس. والأخت الواحدة إذا كانت هي والأم، فالأم تأخذ الثلث مع الذكر من الإخوة، فمع الأنثى أولى.

وإنما تحجب عن الثلث إلى السدس بالإخوة والواحد ليس إخوة. وإذا كانت تأخذ مع الأخ الواحد الثلث، فمع العم وغيره بطريق الأولى.

وإذا كان مع أحد الزوجين عصبة غير الأب والابن، كالجد والعم وابن العم، فهؤلاء لا ينقصها دون الأب، وإنما جعل الباقي بعد نصيب الزوجة أثلاثا، لأنها والأب في طبقة واحدة، فجعل ذلك بينهما كأصل المال، وهؤلاء ليسوا في طبقتها، فلا يجعلون معها، كالأب، فإنه لا واسطة بينه وبين الميت، بخلاف هؤلاء، فإن بينهم وسائط، وهي لا تسقط بحال، بخلاف هؤلاء، فلم يمكن أن يعطى ثلث الباقي هنا، لما فيه من تسوية هؤلاء بالأب.

ولا نزاع في ذلك إلا في الجد، نزاع يروى عن ابن مسعود [ ص: 310 ] رضي الله عنه، كأنه ألحقه بالأب، فأعطاها معه ثلث الباقي. والجمهور على أنها معه تأخذ ثلث المال، وهو الصواب لأن الجد أبعد منها وهو محجوب بالأب، فلا يحجبها عن شيء من حقها.

وإذا لم يمكن أن تعطى ثلث الباقي، وامتنع أن تعطى السدس لأنه دون ذلك، تعين أن تعطى الثلث. وكان إعطاؤها الثلث مع عدم الأب، سواء كان هناك أحد الزوجين أو لم يكن، وإعطاؤها ثلث الباقي مع أحد الزوجين، مما فهمه جماهير الصحابة والعلماء والأئمة، تارة بالاعتبار الذي هو في معنى الأصل، وتارة بالاعتبار الذي هو أولى وأحرى، وتارة بالاعتبار الذي فيه إلحاق الفرع بأشبه الأصلين به.

فإن قلت: فهذه دلالة نص أو قياس؟

قلت لك: القياس المحض أن الأب مع الأم، كالبنت مع الابن، والأخت مع الأخ لأنهما ذكر وأنثى، من جنس واحد، وهما عصبة. وقد أعطيت الزوجة نصف ما يعطاه الزوج لأنهما ذكر وأنثى من جنس واحد.

وإنما عدل عن هذا في ولد الأم لأنهم يدلون بالأم، فلا عصوبة لهم بحال، بخلاف الزوجين والأبوين والأولاد، فإنهم [ ص: 311 ] يدلون بأنفسهم، وسائر العصبة يدلون بذكر، كولد البنين والإخوة للأبوين أو الأب. فإعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين هو معتبر فيمن يدلي بنفسه أو بعصبة، فإنه أهل للتعصيب. فأما من يدلي بغير عصبة فإنه ليس من أهل التعصيب، فالذكورة فيه ليست كالأنوثة، وليس الذكر كالأنثى، لا في باب الزوجية، ولا في الأبوين، ولا في الأولاد والإخوة للأب. فهذا اعتبار.

وأما دلالة الكتاب على ميراث الأم فإن الله تعالى يقول: لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث . فالله تعالى فرض لها الثلث بشرطين: أن لا يكون له ولد، وأن يرثه أبواه فكان في هذا دلالة على أنها لا تعطى الثلث مطلقا، مع عدم الولد، إذ لو كانت تعطى الثلث مع عدم الولد مطلقا لكان قوله: وورثه أبواه زيادة في اللفظ ونقص في المعنى، وكان عديم الفائدة، وجوده كعدمه، فإنه حينئذ سواء ورثه أبواه أو لم يرثه أبواه، لأمه الثلث. وهذا خلاف دلالة القرآن، وهذا مما يدل على صحة أكابر الصحابة والجمهور [ ص: 312 ] الذين يقولون: لا تعطى في العمريتين -زوج وأبوين وزوجة وأبوين- ثلث جميع المال، كما قال ابن عباس رضي الله عنه وموافقوه، فإنها لو أعطيت الثلث لكانت تعطاه مع عدم الولد مطلقا. وهو خلاف ما دل عليه القرآن.

وقد روى عنه أنه قال لزيد رضي الله عنه: أين في كتاب الله ثلث ما بقي أي ليس فيه إلا ثلث وسدس.

فيقال: وليس في كتاب الله إعطاؤها الثلث مطلقا، فكيف تعطيها مع أحد الزوجين الثلث؟! بل في كتاب الله ما يمنع إعطاءها الثلث مع الأب وأحد الزوجين، فإنه لو كان كذلك لكان يقول: "فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث ". فإنها على هذا التقدير تستحق الثلث مطلقا فلما خص الثلث ببعض الحال علم أنه لا يستحق مطلقا.

التالي السابق


الخدمات العلمية