صفحة جزء
[ ص: 333 ] فصل

وأما ميراث البنتين، فقد قال تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف .

فدل القرآن على أن البنت لها مع أخيها الذكر الثلث، ولها وحدها النصف، ولما فوق اثنتين الثلثان. بقيت البنتان، فكان إذا كان لها مع الذكر الثلث لا الربع، فأن يكون لها مع الأنثى الثلث لا الربع أولى وأحرى ولأنه قال: وإن كانت واحدة فلها النصف ، فقيد النصف بكونها واحدة، فدل بمفهومه على أنه لا يكون لها إلا مع هذا الوصف بخلاف قوله: فإن كن نساء فوق اثنتين ، فإنه لما ذكر ضمير "كن" و"نساء" وذلك جمع، لم يمكن أن يقال: اثنتين لأن ضمير الجمع لا يختص باثنتين ولأن الحكم [ ص: 334 ] لا يختص باثنتين، فلزم أن يقال: فوق اثنتين ، لأنه قد عرف حكم اثنتين، وعرف حكم الواحدة. وإذا كانت واحدة فلها النصف، ولما فوق اثنتين الثلثان، امتنع أن يكون للاثنتين أكثر من الثلثين، فلا يكون لهما جميع المال لكل واحدة النصف، فإن الثلاث ليس لهن إلا الثلثان، فكيف بما دون الثلاثة؟ ولا يكفيهما النصف، لأنه لها بشرط أن تكون واحدة، [فلا يكون لها إذا لم تكن واحدة] .

وهذه الدلالة تظهر بقراءة النصب : "وإن كانت واحدة"، فإن هذا خبر كانت، تقديره: فإن كانت بنتا واحدة، أي مفردة ليس معها غيرها فلها النصف، فلا يكون لها ذلك إذا كان معها غيرها، فانتفى النصف، وانتفى الجميع، فلم يبق إلا الثلثان. وهذه دلالة من الآية.

وأيضا فإن الله تعالى لما قال: في الأخوات فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ، كان دليلا على أن البنتين أولى بالثلثين من الأختين.

وأيضا فسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لما أعطى ابنتي سعد بن الربيع الثلثين، وأمهما الثمن، والعم ما بقي . وهذا إجماع لا يصح فيه [ ص: 335 ] خلاف عن ابن عباس .

وقال في الأخوات: فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ، لأنه لم يذكر قبل ذلك ما يدل على أن للواحدة مع أخيها الثلث، وإنما ذكره بعد ذلك بقوله: وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ، بخلاف تلك الآية، فإنه ذكر أولا أن للذكر مثل حظ الأنثيين، فتضمن حكمها مع أخيها، ثم ذكر حكم العدد من النساء بعد ذلك.

ودلت آية "الولد" على أن حكم ما فوق الاثنتين حكم الاثنتين؟ فلذلك قال في الأخوات: فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ، ولم يذكر ما فوقهما فإنه إذا كانت الثنتان تستحقان الثلثين، فما فوقهما بطريق الأولى والأحرى. بخلاف آية [ ص: 336 ] "البنات " فإنه لم يدل قوله: للذكر مثل حظ الأنثيين إلا على أن لها الثلث مع أخيها، وإذا كن فوق اثنتين لم تستحق الثلث، فصار بيانه في كل من الآيتين من أحسن البيان.

هناك لما دل الكلام الأول على ميراث البنتين دون ما زاد على ذلك، بين بعد ذلك ميراث ما زاد على الثنتين.

وفي آية الصيف لما دل الكلام الأول على ميراث الأختين، وكان ذلك دالا بطريق الأولى على ميراث الثلاثة والأربعة وما زاد، لم يحتج أن يذكر ما زاد على الأختين.

فهناك ذكر ما فوق البنتين دون البنتين، وفي الأخرى ذكر الثنتين دون ما فوقهما، لما يقتضيه حسن البيان في كل موضع، حيث كان هناك قد بين ميراث البنتين دون ما فوقهما، وكان هنا بيان حكمهما بيانا لما فوقهما بطريق الأولى، ولم يكن فيما تقدم بيان حكمهما، فلا يجوز أن يكون للأخوات أكثر من الثلثين، لأن البنات إذا لم يكن لهن أكثر من الثلثين، فالأخوات بطريق الأولى. [ ص: 337 ]

ثم قال تعالى: وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين . وأراد بذلك وإن كانوا عددا من الإخوة من جنس الرجال وجنس النساء، لم يرد أن يكون جمع رجال وجمع نساء، فإنه لو كان رجل وامرأتان، أو امرأة ورجل، أو رجلان وامرأتان، لكان ذلك كما لو كانوا ثلاثة رجال وثلاث نساء، وهذا باتفاق الناس.

ولو قيل: الإخوة ثلاثة فصاعدا.

لقيل: وكذلك الرجال والنساء، فلزم أن يكون المعنى إن كانوا ستة إخوة فصاعدا. ولأنه لما بين حكم الأخت الواحدة والأخ الواحد وحكم الأختين فصاعدا، بقي بيان الاثنتين فصاعدا من الصنفين، ليكون البيان مستوعبا للأقسام.

ولفظ "الإخوة" وسائر ألفاظ الجمع قد يعنى به الجنس من غير قصد العدد، لقوله تعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، وقد يعنى به العدد من غير قصد لقدر منه، فيتناول الاثنين فصاعدا، وقد يعنى به الثلاثة فصاعدا. وفي هذه الآية إنما عني به العدد مطلقا لأنه بين الواحدة قبل ذلك ولأن ما ذكره من الأحكام في الفرائض فرق فيه بين الواحد والعدد، وسوى فيه بين [ ص: 338 ] مراتب العدد: الاثنين والثلاثة والأربعة، وهذا مما يبين [أن قوله: فإن كان له إخوة فلأمه السدس يتناول الاثنين والثلاثة.

وقد صرح بذلك في] قوله تعالى: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث . فقوله "كانوا" ضمير جمع، وقوله "أكثر من ذلك" أي أكثر من أخ وأخت، ثم قال: "فهم شركاء في الثلث"، فذكرهم بصيغة الجمع المضمر، وهو قوله "فهم"، والمظهر، وهو قوله "شركاء". ولم يذكر قبل ذلك إلا قوله: "وله أخ أو أخت "، فذكر حال انفراد الواحد لا حال اجتماعهما.

فدل على أن قوله "أكثر من ذلك" أي: أكثر من أخ وأخت، وأعاد الضمير إليهم بصيغة الجمع، فدل ذلك على أن صيغة الجمع في آيات الفرائض تناولت العدد مطلقا: الاثنين فصاعدا لقوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم ، وقوله: فإن كان له إخوة فلأمه السدس ، وقوله تعالى: وإن كانوا إخوة رجالا ونساء . ثم هذه الصيغة تصلح لذلك، وإن كان إنما يراد بها الثلاثة فصاعدا في موضع آخر.

وإن قيل: إن ذلك هو الأصل، فصيغة الجمع قد تختص [ ص: 339 ] بالتثنية، فيما كان مضافا إلى مثنى وليس فيه إلا واحد منه، كقوله تعالى فقد صغت قلوبكما ، ولا يحتمل إلا قلبين، فهذا يختص بالاثنين، وعدل فيه عن لفظ الاثنين إلى لفظ الجمع للخفة وعدم اللبس، فإنه قد علم أن لكل واحد قلبا، فصار استعمال لفظ الجمع في الاثنين مع البيان هو لغة القوم. ومنه قوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ، ولم يقل: "يديهما".

فإذا كانت الصيغة تختص بالاثنين في الموضع المبين، ولم يقل أحد إنها عند الإطلاق تختص بالاثنين، فكذلك تستعمل في الاثنين فصاعدا في الموضع المبين، وإن كانت عند الإطلاق إنما تتناول الثلاثة فصاعدا، وليس شيء من ذلك مجازا بل كله من الموضوع في لغتهم.

وإنما غلط من ظن لفظ الجمع إنما وضع للثلاثة فصاعدا، أو لاثنين فصاعدا. بل وضع لاثنين فصاعدا في موضع، ولثلاثة فصاعدا في موضع، ولاثنين فقط في موضع، كله من موضوع العرب. والقرينة هنا من وضع العرب. [ ص: 340 ]

وإذا كانت القرينة موضوعة كانت بمنزلة ما يقترن بالفعل من المفعول به، ومعه، وله، والظرفين، والحال، والتمييز، وما يقترن باللفظ من الصفة، وعطف البيان، وعطف النسق، والاستثناء، والشرط، والغاية، وغير ذلك مما يقيد مطلقه، ويكون مانعا له من العموم، موجبا لاختصاصه ببعض ما يدخل فيه عند عدم تلك القيود، فإن هذا كله مما وضعت العرب أجناسه، كما وضعت رفع الفاعل، ونصب المفعول به، وخفض المضاف إليه.

التالي السابق


الخدمات العلمية