صفحة جزء
وقد احتج بعض المتأخرين من أصحاب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما بأحاديث رويت فيمن مر على القبور فقرأ كذا وكذا، وليس فيها ما يعتمد عليها في إثبات الأحكام الشرعية. وقد قدمنا أنه ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها أن الولي يصوم عن الميت الصوم الذي نذره كما يحج عنه، وقد جاء ذكرهما في حديث صحيح [ ص: 259 ] رواه مسلم وغيره عن بريدة بن الحصيب أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفيجزئ أو يقضي أن أصوم عنها؟ قال: "نعم"، وفي رواية: وعليها صوم، أفأصوم عنها؟ قال: "صومي عنها"، قالت: يا رسول الله! إنها لم تحج، فقال؟ "حجي عنها".

ولا يقال: هذا مختص بالولد، ففي الصحيحين عن ابن عباس: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أختي ماتت، وعليها صوم شهرين متتابعين، قال: "أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضيه؟ " قالت: نعم، قال: "فحق الله أحق". وفي رواية: أن امرأة ركبت في البحر، فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرا، فأنجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك، فقال: "صومي عنها".

وأيضا فقوله في الحديث الصحيح: "صام عنه وليه" يتناول الولد وغيره ممن يكون وليا للميت، فلا يجوز أن يقال: الحكم مختص بالولد.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "إذا مات ابن آدم [ ص: 260 ] انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". فهنا خص الولد بالذكر لأنه استثناه من عمل الميت، وولده من كسبه، كما قال تعالى: ما أغنى عنه ماله وما كسب وإن ولده من كسبه. وقد قال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له: إن أبي أراد أن يجتاح مالي، فقال: "أنت ومالك لأبيك" . وقد قال تعالى: يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ، فجعل الولد موهوبا للوالد، فجعل بيت الولد بيت الرجل في قوله تعالى: ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ولم يذكر بيوت الأولاد، لأن بيت ولدك بيتك، وهذا الحكم مختص بالأب فإنه المولود له، كما قال تعالى: وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف .

فلما كان الولد من كسب الوالد استثناه من عمله المنقطع، كما استثنى ما ينفق من الصدقة والعلم النافع، وهذا مما احتج به من يقول: إن مال الابن للوالد بمنزلة المباح، فيهلك منه ما لا يضر بولده. وهذا الحديث لا يدل على أن غير الولد لا ينفع دعاؤه [ ص: 261 ] للميت، فإن هذا خلاف إجماع المسلمين. إذ هم متفقون على أن الدعاء والصلاة على الميت ينتفع بها، سواء كانت من ولده أو من غير ولده، فهذا بيان أن الحكم لا يختص بالولد أن ذلك لوجوب حقهما، فلا حاجة إلى تعليل ذلك بوجوب حقهما.

وأما جوابه لمن قال له: "النبي قد دعا إلى كل خير، فله أجر من اتبعه " بأن الواحديه لله حق ثابت، وكل شيء له، ونحن نتقرب إليه بشق تمرة - فهذا مثل ضعيف، وذلك أن الأشياء كلها لله ملك له، إذ هو خالقها وربها ومليكها، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها، وهذا الملك لا يتعلق به ثواب العباد ولا عقابهم ولا وعدهم ولا وعيدهم، فإن هذا حكم ربوبيته الشاملة وقدرته الكاملة، التي تتناول المؤمن والكافر والبر والفاجر، وأما تقرب العباد إليه فهو بالفعل الذي يحبه ويرضاه لهم، وهذا مما افترقوا فيه. فبعض العباد آمن به وعبده وأطاعه وفعل ما يحبه ويرضاه، وبعضهم كفر به وفسق وعصى، وكلاهما يتناوله حكم ربوبيته وقضائه وقدره، والذي يتقرب إليه بشق تمرة إذا أقرضه قرضا حسنا لم يدخل في ملكه ما لم يكن فيه، بل جميع ما بذله بل هو وفعله وقدرته داخل في ملك الرب وقدرته، سواء كان المبذول من رضاه أو سخطه، لكن ببذله في الجهة التي يحبها ويرضاها صار العبد مستوجبا لما وعده في تلك الجهة، كما أن حركات بدنه هي مخلوقة له على كل حال، فإن كانت حركة يحبها ويرضاها أثابه عليها، وإن كانت حركة يكرهها ويسخطها عاقبه عليها، وهذا يتعلق بحكم إلهيته وأمره الديني الشرعي الذي هو [ ص: 262 ] الفارق بين أوليائه وأعدائه. قال تعالى: أفنجعل المسلمين كالمجرمين ، وقال تعالى: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ، وقال تعالى: أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار . والأول يتعلق بحكم ربوبيته وأمره الكوني الشامل لوليه وعدوه، كما قال: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم .

وقد بسطنا الكلام على هذا المقام الذي ضلت فيه أمم من الأنام، وبينا الفرق بين كلماته الدينية والكونية، وإرادته الكونية والدينية، وإذنه الكوني والديني، وكذلك حكمه، وأمره، وتحريمه، وبعثه، وإرساله، والفرق بين الحقيقة الكونية التي يقر بها المشركون وهي الحقيقة القدرية، وبين الحقيقة الدينية التي يختص بها المؤمنون، وكيف اشتبه على كثير من الخائضين في الحقيقة هذا الباب بهذا الباب، حتى لم يفرقوا بين الهدى والضلال، والرشاد والغي، والخطأ والصواب، بل آل الأمر بكثير منهم إلى أنهم لم يفرقوا بين الخالق والمخلوق، حتى دخلوا في الحلول والاتحاد الذي هو من أعظم الكفر وأكبر الإلحاد، فالأشياء [ ص: 263 ] التي هي لله إذا جعلناها له وتقربنا بها إليه بحكم ربوبيته، فليست هذه الإضافة تلك الإضافة، فإن تلك الإضافة إضافته بحكم ربوبيته، وهذه إضافة إليه بحكم ألوهيته، كما أن لفظ العبد يعنى به المعبد، فجميع الخلق عباد الله بهذا الاعتبار حتى الكفار والفجار، قال تعالى: إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ، وقد يعنى به العابد، فيختص به المؤمنين الأبرار، كما قال تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ، وقال الشيطان: ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ، وقال: عينا يشرب بها عباد الله ، وقال: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ، وقال: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ، وقال: فأوحى إلى عبده ما أوحى .

وبهذا يظهر الفرق بين قوله: وطهر بيتي وقوله: ناقة الله وسقياها ، وبين سائر البيوت والنوق، فإن سائر البيوت [ ص: 264 ] والنوق وإن كانت ملكا لله، لكن ليست محل عبادته وطاعته والصلاة عليه، كالمساجد التي هي بيوت عبادته، لا سيما المسجد الحرام الذي هو بيت الطواف ببيته والعكوف وتضعيف الأجر فيه، فالإضافة العامة بحكم الربوبية الخلقية، وهذه الإضافة الخاصة بحكم الألوهية الأمرية. وكذلك الناقة التي جعلها آية له، وجعلها من شعائره وحرماته التي يجب تعظيمها، فالفرق بين هذا البيت وبين الكنيسة مثلا كالفرق بين المؤمن الذي هو عبد الله والكافر الذي هو خلقه، وهو معبد له وإن كان لا يعبده، وكذلك قوله عز وجل: يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ، وقوله: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ، فإضافة الأنفال والخمس إليه كالإضافة العامة الثابتة لكل مخلوق، كقوله: ولله ما في السماوات وما في الأرض . بل هذه الإضافة بحكم أمره ودينه الذي بعث به رسوله، ولهذا قرن هذا بالرسول، فإن أمره الذي أمر به ما يحبه ويرضاه هو ما جاء به الرسول، وهذه الأموال الشرعية التي يحكم بها بأمر الله ورسوله ليست كالأموال التي ملكها لعباده.

ولهم أن يفعلوا فيها ما أحبوا إذا لم يكن محرما، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت".

[ ص: 265 ] وهذا باب قد نبهنا على أصله، وبينا الفرق بين النوعين، وإذا كان كذلك ظهر ضعف القياس الذي قاسه، وتبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا عمل المؤمن من أمته عملا فله مثل أجره، فإذا أهدى له ثوابه فإنما أهدى له مثل ما حصل للرسول سواء بسواء، وهما من جنس واحد ومقدار واحد، وإنما ملكه الرب لعباده إذا أنفقوه في طاعته، فليس كونه أنفق حيث يحبه ويرضاه مثل كونه مملوكا ملكا قدره وقضاه.

يبين هذا أن الله سبحانه هو يملك الأموال المحرمة في الشريعة، فالظالم والغاصب إذا أخذ مالا فالله هو أيضا مالكه، وقد ملكه إياه قدرا لا شرعا ودينا، ولو أنفق منه لم يتقبل الله منه، كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يتقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" رواه مسلم وغيره، فالنفقة المقبولة لا بد أن تكون من مال أذن في إنفاقه شرعا، لا يكفي الإذن القدري الكوني، واسم الرزق في كتاب الله يراد به ما ملك شرعا، ويراد به ما يتنعم به الحي، فالأول يختص بالحلال، والثاني يتناول كل ما ينتفع به الحيوان وإن كان مما لا يملك كالبهائم، وإن كان حراما، فالأول كقوله: ومما رزقناهم ينفقون ، والثاني كقوله: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها . والقدرية منعوا أن يكون الحرام مرزوقا [ ص: 266 ] بناء على أصلهم في أن الله لم يخلق أفعال العباد، فتناول العبد له ليس عندهم مقدورا لله، ولا هو ملكه إياه، وهو قول باطل.

فإن قيل ما ذكره المعترض عليه -من كون النبي صلى الله عليه وسلم له مثل أجور أمته، فلا حاجة إلى الإهداء- ضعيف من وجهين:

أحدهما: أن الابن من كسب أبيه، ودعاؤه مستثنى من عمله المنقطع، ومع هذا فالابن يتصدق عن أبيه بالسنة والإجماع، وكذلك يحج عنه، بل ويصوم عنه، بالسنة الصحيحة.

الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حصل له مثل أجر العالم من أبيه أمكن أن يحصل له مثل ذلك أيضا بطريق الإهداء إليه، فلا منافاة بين الأمرين.

قيل عن الأول من وجهين:

أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل للأب مثل عمل جميع أمته، ولا يعلم دليلا على ذلك، وإنما جعل ما يدعوه الابن له من عمله الذي لا ينقطع، بخلاف الداعي إلى هدى كان له، حصل له مثل أجر المدعو، وهذا الفرق ظاهر، وهو أن الداعي إلى هدى أراد إرادة جازمة فعل ذلك الهدى بحسب قدرته، وهو لم يقدر إلا على الأمر به والدعاء إليه، ومن أراد عملا إرادة جازمة وعمل منه ما يقدر عليه كان بمنزلة العامل له، كما قد بسطنا هذه المسألة في غير هذا الموضع، وبينا فصل الخطاب فيما تنازع الناس فيه من الإرادة ونحوها من أعمال القلوب إذا لم يدربه من عمل الجوارح، هل [ ص: 267 ] يترتب عليه عقاب أم لا؟ فمن الناس من جزم بالأول، ومنهم من جزم بالثاني، وقد يحكى ذلك إجماعا.

واحتج هؤلاء بأحاديث الهم ونحوها، وهؤلاء بقوله؟ "إنه أراد قتل صاحبه"، وقوله: "فهما في الأجر سواء" ونحوهما.

وقد بينا أن الإرادة الجازمة لا بد أن يدربها من عمل الجوارح ما يقدر عليه العبد، وحينئذ فيترتب عليها العقاب، كالذي يهم بالذي يتمنى وينظر، ويفعل بعض المحرمات ويترك الباقي عجزا، كالذي أراد قتل أخيه بذل مقدوره في قتله حتى قتل، بخلاف من هم ولم يفعل مقدوره كالذي هم بسيئة ولم يفعلها أصلا، فهذا لا تكون إرادته جازمة. وكذلك قوله: "فهما في الأجر سواء، وهما في الوزر سواء"، لأن كلا منهما قال بلسانه: لو أن لي مثل ما لفلان لفعلت فيه مثل ما فعل، فلما أراد إرادة جازمة وفعل مقدوره صار كالفاعل.

والله تعالى في كتابه ذكر الفعل، وذكر ما يتولد عنه، وجعله من عمل العبد، كما في قوله: [ ص: 268 ] ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ، فهذه الأمور لم يفعلوها، ثم قال: ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب ، فالإنفاق وقطع الوادي نفس عملهم، فكتب، وما تقدم أثر عملهم الصالح، فكتب لهم به عمل صالح، كدعاء الولد فإنه أثر عمل الوالد، وإن كان الوالد لم يقصد دعاءه، كما لم يقصد هؤلاء ما حصل من الظمأ والمخمصة والنصب، وأما الداعي إلى الهدى فهو قصد هدى المدعوين ولم يفعلوا ما أمرهم به، وبذل مقدوره في فعلهم، فصار قاصدا للفعل عاملا ما يقدر عليه في حصوله، فله أجر الفاعل، وكذلك من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة، والبيان للفعل الذي هو رسمه ليحتذى، فهو يقصد أن يتبع فيه.

فإن قيل: فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل". وهو لم يقصد أن يقتل كل قاتل.

قيل: هو صلى الله عليه وسلم لم يقل هنا: إن عليه مثل ألم كل قاتل، بل قال: "عليه كفل من دمها"، لأن ذلك من أثر فعله، كما كتب ابتداء بهذا الفعل، وقد قال تعالى في حق أئمة الكفر: وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون [ ص: 269 ] وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ، وقال: ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم . فما تولد عن فعل العبد يحصل له منه ثواب وعقاب وإن لم يقصده، ولكن حصول مثل أجر العامل فرع أخص من ذلك.

الجواب الثاني، وهو من الوجه الثاني بأن يقال: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحصل له مثل أجر العامل، فأهدى له العامل عملا، فلا بد أن يثاب العامل على إهدائه، فيكون للنبي صلى الله عليه وسلم بمثل إهداء الثواب أيضا، فإهداء هذا الثواب إن جوز لزم التسلسل، وإن لم يجوز فما الفرق بين عمل وعمل؟ بخلاف الولد إذا بر والده بدعاء أو صدقة عنه أو نحو ذلك، فإن الله يثيب الولد على ذلك، ولا يلزم أن يحصل للوالد مثل أجر الابن وإحسانه إلى أبيه، لأن الأب لم يدعه إلى هذا الإحسان. ولا يلزم من صلى منا أو سلم عليه بأن الله يصلي على المصلي عشرا، ويسلم على المسلم عشرا، ويحصل للرسول مثل ذلك لدعائه إلى هذا الهدى، ولا يفضي إلى هذا التسلسل، فإن هذا الأجر ليس من عمل المصلي، بخلاف ما إذا أهدى الثواب، فإن إهداء الثواب عمل فيلزم أن يحصل له مثله، فإن جوزنا أن يهدى ثواب الإهداء لزم التسلسل. فنحن بين أمرين: إما أن نقول: يهدى إليه عمل، فيلزم أن يهدى إليه ثواب الإهداء، [ ص: 270 ] وهلم جرا، وهذا يلزم التسلسل. أو نقول: لا يهدى إليه، بل ما حصل له من الأجر المساوي لأجر العامل هو غاية المقصود، وعلى هذا لا يحصل التسلسل. وعلى هذا فيقال: لا يهدى إلى من له مثل ثواب العامل كالنبي صلى الله عليه وسلم وكالمعلم للخير من الشيوخ ونحو ذلك، وهذا موافق لطريقة السلف في كونهم لم يكونوا يهدون لمثل هؤلاء لا ثواب العبادات البدنية ولا المالية.

وأما تضحية علي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن صح ذلك فإنه كان بإذنه، كما لو وصى بصدقة وغيرها فإنها تنفذ باتفاق المسلمين، فإن الوصي بمنزلة الوكيل في ذلك، والموصي هو العامل لذلك في الحقيقة، كالمستنيب في إيتاء الزكاة وفي ذبح الأضحية وغير ذلك، فليس هذا من هذا، وإنما كانوا يدعون لهم.

ولكن يقال: هب أن هذا مستقيم فيما يعمله الإنسان لنفسه من الفرائض والنوافل، فإذا أنشأ عملا آخر ليجعل ثوابه لهم فما المانع من ذلك من العبادات البدنية والمالية؟ وهلا كان السلف يتصدقون ويحجون ويعتمرون ويذبحون عن أئمتهم الذين علموهم الدين؟ وسيد هؤلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنالصدقة عن الموتى ونحوها تصل إليهم باتفاق المسلمين.

فيقال: الجواب عن هذا هو الجواب عن الأول، وذلك أنهم إذا أهدوا لهم ثواب عمل وجب أن يكون لهؤلاء أجر على هذا الإهداء، وأن يكون لمن دعاهم إلى هذا الخير وعلمهم إياه مثل أجرهم على ذلك، وهذا الداعي إلى الخير عنى أن يهدى إليه ثواب [ ص: 271 ] العمل، فلم يبق في الإهداء فائدة، بل فيه إخراج العامل الثواب عن نفسه من غير فائدة تحصل لغيره، إذ العامل يثيبه الله على عمله، ويعطي من دعاه إليه مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئا، فإذا أهداه وبذل ثوابه لغيره فإن لم يثب على هذا الإهداء بمثل ثواب العمل كان ذلك ضررا في حقه، من غير منفعة حصلت للمهدى إليه، لأن هذا العامل فاته ثواب العمل أو كمال الثواب، وذلك المهدى إليه كان قد حصل له مثل هذا الثواب، فلم يحتج إليه. ولو قدرنا أنه يحصل له ثوابه مرتين فلا ثواب يبقى لهذا، فالله تعالى لا يأمر بمثل هذا ولا يشرعه، ولا يأمر أحدا أن ينفع غيره في الآخرة بغير منفعة تحصل له لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل الله تعالى إنما يأمر بالإحسان؛ لأنه يجزي المحسنين على إحسانهم، والجزاء من جنس العمل، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، وقال : "من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا"، وقال : "ما من مؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا، كلما دعا لأخيه بدعوة قال [ ص: 272 ] الملك الموكل: آمين، ولك بمثل". والأحاديث في ذلك كثيرة.

وإن قيل: إنه يثاب على هذا الإهداء مثل ثواب العمل لزم أن يكون لمعلمه مثل ذلك ولزم التسلسل، فصار الأمر دائرا بين ضرر العامل -والله لا يأمر به- وبين التسلسل في الجزاء على العمل الواحد، وهو ممتنع، فلهذا لم يشرع مثل ذلك.

فإن قيل: فهذا ينقض بدعائه لمن دعاه وعلمه ونحو ذلك.

قيل: هذا ونحوه من باب المكافأة، كما في الحديث : "من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه". وقد قال تعالى: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان . وهم إذا كافأوا المحسن بالدعاء انتفع بدعائهم له، وحصل لهم ثواب المكافأة، فحصل له مثل ثوابهم على المكافأة التي دعاهم إليها فلم يتضرر، وإن لم يتسلسل الأمر بل يكون فعلهم المكافأة له لفعله المكافأة لغيره وسائر ما يعملونه من العدل والإحسان الذي دعاهم إليه.

ولهذا جاءت الشريعة في حق نبينا صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه والتسليم وسؤال الوسيلة له صلى الله عليه وسلم تسليما، فنحن إذا صلينا عليه أثبنا على صلاتنا عليه، وله مثل ذلك الأجر لكونه هدانا إلى ذلك، وذلك من [ ص: 273 ] المنفعة التي حصلت له بالدعاء. وبهذا تزول شبه تعرض في هذا الموضع، فإن قوله صلى الله عليه وسلم: "من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا" يوهم أنه يحصل للمصلي أكثر ما يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم مثلها، من جهة كونه دعاه إلى هذا الخير لا من جهة صلاة العبد، ويحصل بصلاة العبد أيضا ما جعله الله لذلك.

فقد ظهر الفرق بين هذا وبين إهدائه لوالديه ونحوهم، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة بالصدقة عن أمه ولم يكن واجبا عليها، إذا ثبت بالسنة أنه يفعل عن الوالد الواجب وغير الواجب، فقد ظهر الفرق من وجهين:

أحدهما: أنه لم يثبت أن كل عمل يعمله الولد يكون لأمه أو لأبيه مثل أجره، وإنما قال صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". وفي الحديث الآخر: "إن الرجل إذا قرأ القرآن فإنه يكسى والداه من حلل الجنة"، ويقال: بأخذ ولدكما القرآن"، ونحو ذلك مما فيه أن الوالد يحصل له نفع وثواب بعمل ولده، لكن لا يجب أن يكون مثله، ولو كان لكل والد من عمل أولاده لكان لآدم [ ص: 274 ] من أعمال الأنبياء من ذريته، وكذلك نوح وغيره، وليس كذلك، بخلاف الداعي إلى الخير كنبينا صلى الله عليه وسلم، فإن له مثل أعمال أمته التي دعاهم إليها، فأجر المعلم الداعي للخير مثل أجر المدعو العامل، بخلاف الوالد والولد، ولهذا حق النبي وخلفائه في دعوته على المدعوين والمعلمين أعظم من حقوق الآباء، كما قال تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ، وفي القراءة الأخرى: "وهو أب لهم" .

وقد تكلم الناس في هذا المقام بكلام كثير، قالوا: هذا هو الأب الروحاني، وهذا هو الأب الجثماني، وهذا هو سبب للسعادة الأبدية من الدار الآخرة، وهذا سبب لوجوده في الدنيا. وبالجملة فالداعي إلى الخير قصد أن يعمل المدعو ذلك الخير، وسعى في ذلك بحسب وسعه، فهو قد قصد العمل الصالح الذي فعله المدعو، أو قصد نفع المدعو، وأما الوالد فقد يقصد هذا وقد لا يقصده، ولو قصده بالدعوة إلى حصول المدعو أقرب من نفس وجود الولد إلى حصول سعادته، فإنها هي السبب القريب ووجود السبب البعيد، ومعلوم أن الإنسان يجب عليه أن يطيع معلمه الذي يدعوه إلى الخير ويأمره بما أمره الله به ورسوله، ولا يجوز له أن يطيع أباه في مخالفة هذا الداعي، بل طاعة هذا الداعي طاعة لله ورسوله، وطاعة الوالد لمخالفة هذا الداعي طاعة [ ص: 275 ] للشيطان، قال تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ، فوصاه سبحانه بوالديه، ثم نهاه عن طاعتهما إذا جاهداه على الشرك، فكان في هذا بيان أنهما لا يطاعان في ذلك وإن جاهداه، وأمر مع ذلك "فصاحبهما في الدنيا معروفا"، وأمره باتباع سبيل من أناب إليه، وسبيل أهل الإنابة هي سبيل المؤمنين المتقين، أهل طاعة الله ورسوله. فالداعي إلى هذا السبيل هو آمر بما أمره الله به، فيجب عليه طاعته، فإذا أطاعه كان للداعي بمثل أجره. أما الوالد فيصاحبه في الدنيا معروفا ويحسن إليه، وإن من يجب عليك طاعته إلى من تؤمر بمعاشرته بالمعروف والإحسان إليه وتنهى عن طاعته إذا خالف الأول، فهذا المعلم فأجره أعظم وطاعته أوجب. وأما الوالد فلا يستحق مثل أجر الولد إذا لم يدعه إلى ما عمله، فيكون في الإهداء إليه تحصيل أجر لم يحصل له مثله.

وظهر الفرق الثاني، وهو أنه إذا لم يستحق مثل أجره أمكن أن يهدي إليه الثواب، ويثاب الولد على برهما بذلك، فيكون له مثل أجر بره لهما، فلا يفضي ذلك إلى التسلسل في ثواب العمل الواحد، ولا إلى تضرر الولد، فلهذا كان مشروعا مسنونا، ولو قدر أن المعلم كان والدا، وعلم ولده الخير كله، كان له مثل أجر عمل [ ص: 276 ] الولد من حيث هو معلم، وله أجر بعمله الصالح، وإن لم يكن مثل أجر الوالد، والولد إذا تصدق عن هذا من حيث هو والده كان هذا أيضا مشروعا لما تقدم.

وتبين بهذا الجواب عن الوجه الثاني، وهو قوله "يمكن حصول الثواب للنبي صلى الله عليه وسلم مرتين" بوجهين أيضا، أحدهما: أن ذلك يفضي إلى التسلسل، إذا كان للعامل بإهدائه مثل أجره، وإن لم يكن له أجر، فقد تبين بما ذكرناه ما يعلم به جواب السؤال.

التالي السابق


الخدمات العلمية