صفحة جزء
مسألة

في رجل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين"، فقال له آخر: هذا ما هو صحيح.

الجواب

الحمد لله. ليس هذا الحديث بصحيح، وليس هو في شيء من كتب المسلمين المعروفة، وإنما الحديث المعروف عن ميسرة الفجر قال: قلت: يا رسول الله! متى كنت نبيا؟ وفي لفظ: متى كتبت نبيا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد". وفي حديث العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إني كنت مكتوبا عند الله خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي، رأت حين ولدتني أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ". [ ص: 307 ]

ففي هذه الأحاديث المعروفة عند علماء المسلمين أن الله كتب نبوته وأظهرها بين خلق آدم وبين نفخ الروح فيه، كما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو الصادق المصدوق- أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين صباحا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح. قال: فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة.

فبين صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح أنه بعد أن يخلق الجسد وقبل نفخ الروح يكتب رزق العبد وأجله وعمله وشقي أم سعيد. وآدم هو أبو البشر، ومحمد صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، فكتب الله نبوته بعد خلق آدم وقبل نفخ الروح فيه. فأما قول القائل بين الماء والطين "فهذا الكلام باطل، فإن الماء هو بعض الطين، إذ الطين ماء وتراب، ولم يكن آدم قط بين الماء والطين، وإنما كان بين الروح والجسد، وكان صلى الله عليه وسلم حينئذ مكتوبا عند الله خاتم النبيين.

وأما تبين ذاته وصفاته وجعل الله له نبيا ورسولا فإنما كان حتى خلقه، ونبأه الله على رأس أربعين سنة، فأول ما أنزل الله عليه [ ص: 308 ] اقرأ باسم ربك ، فكان نبيا، ثم أنزل الله عليه يا أيها المدثر . فكان رسولا. ومن زعم أنه كان يحفظ القرآن قبل أن ينزل عليه به جبريل فهو ضال مفتر بإجماع المسلمين. وما يروى في هذا الباب من الأحاديث -مثل: أنه كان كوكبا في السماء يرى قبل الخلق، أو نحو ذلك- فهي أحاديث مكذوبة باتفاق علماء المسلمين. والله أعلم. [ ص: 309 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية