صفحة جزء
ومن هنا ضل من ضل من الاتحادية -كابن عربي وأمثاله- كأن يقول أحدهم: نشهد أولا الطاعة والمعصية، ثم يشهدون طاعة بلا معصية، ثم لا طاعة ولا معصية.

فإنهم لما كانوا مع المسلمين مقرين بالأمر والنهي الشرعيين، كانوا يشهدون الطاعة والمعصية، فلما دخلوا في جمع القدر من غير شهود لتفريق الشرع، شهدوا طاعة بلا معصية، كما قال بعض شيوخهم: « أنا كافر برب يعصى».

وقال آخر:


أصبحت منفعلا لما تختاره ... مني، ففعلي كله طاعات

[ ص: 171 ] وقال آخر لبعض الظلمة الذين يتناول من أموالهم -لما قيل: إنه مكاس- فقال: إن كان عصى الأمر فقد أطاع الإرادة.

وأمثال ذلك.

ثم إذا صاروا عينا لم يفرقوا بين الرب والعبد، ولم يشهدوا لا طاعة ولا معصية، بل كما قال بعضهم:


ما الأمر إلا نسق واحد ...     ما فيه من حمد ولا ذم


وإنما العادة قد خصصت ...     والطبع والشارع بالحكم



وهذا هو النوع الثالث من أنواع الفناء، وهو الفناء عن وجود السوى، بحيث يجعل وجود المخلوقات عين وجود الحق، فلا يكون ثم غير يكون له وجود أصلا. فيتكلم هؤلاء فيما يسمونه مفتاح غيب الجمع والوجود.

ومضمون أمرهم: أن الوجود كله واحد، وهو واجب الوجود بنفسه، ولا يفرقون بين الواحد بالعين، والواحد بالنوع، ولا بين كون وجود المخلوقات بالله وبين كونها هي لله، كمن لا يفرق بين الشمس وبين شعاعها، ولا يميزون بين العالمين، وبين رب العالمين. [ ص: 172 ]

ويجعلون الأمر والنهي للمحجوبين عن شهودهم، وهم في هذا من أعبد الناس للمخلوق، وأخوفهم من المخلوق، وأرجاهم للمخلوق، وأعظم الناس إلحادا في أسماء الله وآياته.

وتفصيل هذا الجمع يطول، وإنما هذا تنبيه على جوامع يحتاج إليها الناس في هذه المسالك.

وقد رأيت في ذلك ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وتشهد النفوس ما بين هذا وهذا من المشترك الجامع، ولا يشهدون ما بينهما من المميز الفارق، وهذا هو القياس الفاسد، وأول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس.

وذو البصر يشهد الجمع المشترك والمميز والجامع مع الفارق والكثرة في الوحدة، ويعطي كل ذي حق حقه، كما شهد به القرآن والإيمان والبرهان.

قال الشيخ الإمام أبو العباس أحمد ابن تيمية -رضي الله عنه-:

وما يسمى بالفناء والاصطلام والمحق والطمس والسكر، ونحو [ ص: 173 ] ذلك من العبارات التي تشعر إما بعدم العلم ونوعه، وإما بعدم القصد ونوعه، وإما بعدم الوجود ونوعه، وما يتعلق بذلك، فإن للناس في هذه الأمور أربعة أقوال:

أحدها: قول من يجعل ذلك غاية السالكين، ونهاية الواصلين إلى الله، ويقولون: الإرادة، والزهد، والتوكل، والصبر، والخوف، والرجاء، والسكر، والمحبة منازل أهل الشرع السائرين إلى عين الحقيقة، فإذا شهدوا عين الحقيقة اضمحلت فيها أحوال السائرين، حتى يفنى ما لم يكن، ويبقى ما لم يزل.

والغاية عندهم: هو الجمع والوجود والفناء فيه.

القول الثاني: قول من يجعل هذا من لوازم سبيل الله الذي سلكه القاصدون له. ويقولون: لا بد لكل واصل إلى الله متقرب إليه مخصوص بولاية الله الخاصة، من أن ينزل هذه المنازل، ويقوم بهذه المقامات، لكن ليست هي الغاية، بل الغاية بعدها في حال الصحو والبقاء والشهود، ونحو ذلك من العبارات.

القول الثالث: قول من يجعل هذه الأمور مذمومة معصية، ويجعلها من عيوب القاصدين وذنوبهم، إما لكونها بدعة في الدين، وإما لكون [ ص: 174 ] أصحابها مفرطين بترك مأمور أو فعل محذور.

القول الرابع: قول من يجعلها من عوارض الطريق التي قد تعرض لبعض السالكين، فليست من لوازم كل سالك، ولا كل من عرضت له يكون مبتدعا مذموما، أو عاصيا ملوما، بل قد تعرض لبعض السالكين دون بعض، لقوة ما يرد على قلبه، وضعفه عن التمييز في حال ورودها.

وقد يكون صاحبها ملوما، وقد لازمه في حق ... لا يمكنه الوصول بها، وقد يكون منتهى بعض ضعفاء السالكين.

والقول في هذا كالقول في الذي يعرض عند سماع القرآن من الصعق والصياح والاضطراب، فإن هذا لم يكن في الصحابة، بل كانوا عند السماع يبكون، وتوجل قلوبهم، وتقشعر جلودهم. وهذه الأمور هي التي أثنى الله على أهلها في القرآن.

فلما كان في زمن التابعين، كان في أهل البصرة ونحوهم من يصعق عند سماع القرآن ويموت. فمن السلف من أنكر ذلك، إما لكون صاحبه متصنعا، أو لكونه مبتدعا.

ويروى هذا عن عبد الله بن الزبير، وأسماء بنت أبي بكر، ومحمد ابن سيرين. [ ص: 175 ]

وأما جمهور العلماء فسوغوا ذلك إذا كان صاحبه مغلوبا، حتى قال الإمام أحمد: « قرئ على يحيى بن سعيد، فغشي عليه. فلو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد، لكمال عقله». وهذا هو الصحيح; فإن زرارة بن أوفى قرأ في صلاة الفجر: فإذا نقر في الناقور [المدثر: 8] فخر ميتا. وكان قاضي البصرة، ومن خيار المسلمين.

وقرأ صالح المري على أبي جهير الضرير، فمات.

ومات طائفة بوعظ عبد الواحد بن زياد.

ومات علي بن الفضيل بسماع القرآن.

ومن قتله القرآن كثير، والموت لا حيلة فيه.

التالي السابق


الخدمات العلمية