صفحة جزء
[ ص: 344 ] مسألة في العلو [ ص: 346 ] مسألة: في رجلين تكلما في مسألة العلو، فقال أحدهما: إن الله سبحانه وتعالى فوق العرش. وقال الآخر: من قال: إن الله فوق السماء فقد كفر. بينوا لنا الصواب؟

الجواب: الحمد لله.

أما القائل الأول فقد أصاب فيما قال، ولا إنكار عليه باتفاق سلف الأمة وأئمتها، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد، وشيوخ المسلمين، كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم.

اللهم إلا أن يقترن بذلك من الاعتقاد أو القول ما لا يجوز; مثل أن يعتقد أن الله مفتقر إلى العرش ومحتاج إليه، أو يمثل استواءه باستواء المخلوقين، فمن قال ما يوجب افتقار الله إلى شيء من المخلوقات، فهو ضال مخطئ مخالف للشرع والعقل.

والله سبحانه وتعالى خلق المخلوقات وجعل بعضها فوق بعض ولم يجعل عاليها سافلها، فإنه سبحانه -وله الحمد- خلق السماء فوق الأرض وليست السماء مفتقرة إلى الأرض، وخلق العرش فوق السموات وليس هو مفتقرا إلى السموات، بل جعل العرش [ ص: 348 ] فوق الجنة كما ثبت في « الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن». فكيف يكون رب السموات ورب الأرض [و] رب العرش مفتقرا إلى العرش أو إلى السموات؟

بل جاء في الحديث: إن الله لما خلق العرش وأمر الملائكة بحمله، قالوا: ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك؟ فأمرهم أن يقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فأطاقوا حمل العرش.

فالملائكة الذين أخبر الله عنهم أنهم يحملون العرش، كما قال سبحانه وتعالى: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا [غافر: 7]، وهم لا يطيقون حمله إلا بقوة الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه رب كل شيء ومليكه وخالقه، وكل ما سواه -العرش فما دونه- مفتقر إليه. وهو سبحانه القيوم الصمد، القيوم عن كل ما سواه مع أنه بائن عن مخلوقاته، ليس هو في مخلوقاته بل هو فوق سماواته على العرش بائن من خلقه. [ ص: 349 ]

وكذلك من قال: إن استواءه على العرش كاستواء المخلوق على المخلوق، فإنه بمنزلة من يقول: إن سمعه كسمع المخلوق، وبصره كبصر المخلوق، وكلامه مثل كلام المخلوق، ويده مثل يد المخلوق. وهذا كلام أهل التشبيه والتمثيل، وهم من أهل الأباطيل.

وأما الذي قال: « من قال: إن الله في السماء فقد كفر». فقد أخطأ بإجماع سلف الأمة وأئمتها; فإنهم متفقون على أنه لا يكفر أحد بإطلاق هذا القول. فإن هذا قد ثبت إطلاقه في الكتاب والسنة، واتفق على ذلك سلف الأمة، قال الله تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير [الملك: 16 - 17]. وقد ثبت في الصحيح والسنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للجارية: « أين الله»؟ قالت: في السماء، قال: « من أنا»؟ قالت: رسول الله. قال: « أعتقها فإنها مؤمنة».

فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قالت الجارية: إن الله في السماء، شهد لها بالإيمان; فمن شهد لقائل ذلك بالكفر، فقد شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، كما قال تعالى: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم [ ص: 350 ] وساءت مصيرا [النساء: 115]. وثبت في « الصحيح» أنه قال: « ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء». وصح عنه أنه قال: « الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». ونظائر هذا كثير.

ولكن إن قال من قال: إن الله في السماء ويقرن بذلك اعتقادا فاسدا وقولا باطلا، مثل أن يظن أن معنى ذلك أن الله في السماء كما أن الشمس والقمر في السماء والأفلاك محيطة به ونحوه، فمن اعتقد أن في قول الله ورسوله والمؤمنين: « إن الله في السماء» أنه في جوف الأفلاك فهو ضال مخطئ; فإنه قد ثبت بالمنصوص والمعقول أن الله فوق العرش، فكيف تكون السماء التي تحت العرش تحيط به وتحويه؟

وقد قال تعالى: وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه [الزمر: 67]، ثم يهزهن ويقول: « أنا الملك أنا الملك أين ملوك الأرض؟». وفي رواية: [ ص: 351 ]

« يدحوها كما تدحى الكرة».

وقال ابن عباس: ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم. وقد قال تعالى: وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما [البقرة: 255] أي: لا يثقله ولا يكرثه.

فإذا كان الكرسي قد وسع السموات والأرض -وقد جاء في الحديث: أن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والله فوق العرش- فكيف تحويه السموات وتحصره وتحوزه!؟

وقد قال تعالى: فسيروا في الأرض [آل عمران: 137]، وقال: ولأصلبنكم في جذوع النخل [طه: 71]، وقال: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض [المائدة: 26]، ومع هذا فهؤلاء ليسوا في جوف الأرض ولا جوف الجذوع، بل هم عليها وفوقها.

ولفظ « السماء» يراد به العلو مطلقا، ويراد به الأجسام المخلوقة، [ ص: 352 ] والله تعالى فوق المخلوقات. يقول المسلمون: « إن الله في السماء»، أي فوق العلو فوق العرش، ليس معناه أن المخلوقات تحوزه وتحيط به، بل هو العلي الأعلى، وهو العلي العظيم، وهو أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

ومن كفر من قال: « إن الله في السماء» من غير أن يقترن هذا القائل بقوله كفر; فهذا المكفر أحق بالتكفير; فقد نص الأئمة الكبار على كفر من أنكر ذلك، كما نص على ذلك أبو حنيفة في كتاب « الفقه الأكبر»، وقال: « من أنكر أن الله في السماء فقد كفر».

وقال الإمام أبو بكر بن خزيمة -وهو أجل من يعتمد عليه من أصحاب الشافعي في السنة والحديث- قال: من لم يقل: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وألقي على مزبلة; لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة.

وكلام السلف والأئمة في تكفير من ينكر أن الله فوق العرش ونحو ذلك، كثير مشهور منتشر، ولم ينكر أحد منهم ذلك فضلا عن تكفير قائله. [ ص: 353 ]

لكن إذا كان المنكر لذلك والمكفر لقائله ممن يعذر بالجهل لعدم علمه لما في ذلك من النصوص والإجماع وكلام السلف والأئمة، كونه ظن أن ذلك يقتضي نقصا في حق الله لاحتياجه إلى المخلوقات، وكونها أعظم منه وأكبر ونحو ذلك، فلا يكفر مثل هذا حتى تبين له الحجة التي يكفر مخالفها، فإن المسلم قد يخطئ ويغلط في فهم القرآن والسنة، أو في إنكار ما لم يبلغه من ذلك، وليس كل من أخطأ وغلط بكافر. والله أعلم.

* * *

التالي السابق


الخدمات العلمية