صفحة جزء
والثالثة: ولي الله لا يقول إلا حقا ولا يعمل إلا خيرا. فهذه الثلاثة [ ص: 455 ] باطلة في حقه وحق أمثاله.

أما الأولى، أنه كانت له كرامات، فأكثر ما يحكى يكون كذبا من باب الحيل والمخاريق، كما ذكر الناس في أخبار الحلاج أنه كان صاحب مخاريق، فيكون ما يدعيه من خرق العادات كذبا، وما كان منه صدقا كان له من الأسباب، كالسحر والعين والأحوال الفاسدة، ما يخرجه عن أن يكون من جنس كرامات أولياء الله.

وبهذا يظهر فساد المقدمة الثانية، وهو أنه ليس كل من كان له خرق عادة يكون وليا لله، كالدجال وأمثاله.

وأما الثالثة، فليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما، بل يجوز عليه الخطايا والذنوب، وكل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأولياء الله هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون [يونس: 62 - 63]. والتقوى هي: أداء الواجبات وترك المحرمات، وقد يكون معها صغيرة بلا إصرار وكبيرة مع توبة واستغفار. [ ص: 456 ]

وإذا عرف ذلك، فمن اعتقد ذلك، أو قال قولا يخالف دين الإسلام; من الاتحاد الذي قتل عليه الحلاج وأمثاله، مثل قوله: إني أنا الله، ونحو ذلك، إن عاقلا يعلم ما يقول، وإن كان مخالفا لدين الإسلام فلا ريب أنه كافر باطنا وظاهرا. وإن كان قد غلب على عقله لفساد مزاجه أو حال ورد عليه، فجعل كالسكران وأوقعه في الفتن والاصطلام فهذا ارتفع عقله بسبب يعذر فيه [و] لم يكن مأثوما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « رفع القلم عن المجنون حتى يفيق».

فإذا كان زوال عقله لسماع القرآن ونحوه، كان معذورا، كما يكون المغمى عليه بالمرض معذورا.

وإن كان زوال عقله بسبب محظور، كالسماع المنهي عنه; كمن زال عقله بشرب محرم كالخمر والحشيش. وهذا إذا تكلم بالكفر في تلك الحال فهل يكفر؟ على قولين مشهورين للعلماء في السكران، لكن الأظهر أنه لا يكفر. [ ص: 457 ]

ثم منهم من فرق بين من يزول عقله بسبب يشتهى كالخمر، وسبب لا يشتهى كالبنج، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة، وهو المنصوص عن أحمد، [ومنهم من لم يفرق] كالشافعي، وهو قول طائفة من أصحاب أحمد كأبي الخطاب. وبكل حال فإذا صحا من سكره وتاب مما قال تاب الله عليه باتفاق العلماء.

فمن خرج في سكره إلى شطح هو كفر، وكان زوال عقله بسبب يعذر فيه فلا إثم عليه. وإن كان بسبب محظور ثم تاب تاب الله عليه. وأما من أصر على ذلك في حال صحوه وحضور عقله، فهذا كافر زنديق باطنا وظاهرا، وهذا هو الذي ثبت في حال الحلاج وأمثاله. وقد علم أنه قتل على الزندقة، فإذا تاب قبل أن يموت فيما بينه وبين الله [تاب الله عليه] باتفاق المسلمين، وهذا مما يشك فيه في حال الحلاج، فإنه يمكن أن يكون قبل الموت تاب فيما بينه وبين الله، ويمكن أنه لم يتب، فإن تاب قبل الله توبته على صالح عمله.

التالي السابق


الخدمات العلمية