سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الثلاثون : قال الخطابي - رحمه الله - تعالى : تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين .

أحدهما : أن الله - تعالى - قد أباح «التقية» إذا خاف الهلاك ، ورخص له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان إن [كان] يمكنه التورية ، فلم يكن رده إليهم إسلاما لأبي جندل إلى الهلاك مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية .

والوجه الثاني : أنه إنما رده إلى أبيه ، والغالب أن أباه لا يبلغ به الهلاك ، وإن عذبه أو سجنه فله مندوحة بالتقية أيضا ، وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله - تعالى - يبتلي به صبر عباده المؤمنين .

الحادي والثلاثون : اختلف العلماء رحمهم الله ، هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم إلى بلاد المسلمين أم لا ؟ فقيل : نعم ، على ما دلت عليه قصة أبي جندل وأبي بصير . وقيل : لا . وإن الذي وقع في القصة : منسوخ ، وإن ناسخه «أنا [ ص: 78 ]

بريء من مسلم بين المشركين»
وهو قول الحنفية ، وعند الشافعية ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب الثاني والثلاثون : قال النووي - رحمه الله - وافق النبي - صلى الله عليه وسلم - في رد من جاء من المشركين في ترك كتابته بسم الله الرحمن الرحيم وكتب باسمك اللهم ، وفي ترك كتابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي رد من جاء منهم إلى المسلمين دون من جاء من المسلمين إليهم وإنما وافقهم في هذه الأمور للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور ، أما البسملة وباسمك اللهم فمعناها واحد ، وكذلك قوله : «محمد بن عبد الله» هو أيضا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس في ترك وصف الله تعالى في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك ولا في ترك وصفه - صلى الله عليه وسلم - هنا بالرسالة لا ينفيها ، ولا مفسدة فيما طلبوه ، وإنما كانت المفسدة تكون لو طلبوا أن يكتبوا ما لا يحل من تعظيم آلهتهم ونحو ذلك ، وإنما شرط رد من جاءنا منهم ومنع من ذهب إليهم فقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث الحكمة فيه بقوله :

«من ذهب منا إليهم فأبعده الله ، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا» . ثم كان كما قال - صلى الله عليه وسلم - فجعل الله للذين جاءونا منهم وردهم إليهم فرجا ومخرجا . ثم كان كما قال - صلى الله عليه وسلم .

الثالث والثلاثون : في إتيان عمر أبا بكر رضي الله عنهما وإجابة أبي بكر لعمر بمثل ما أجاب به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دلالة على أنه أكمل الصحابة وأعرفهم بأحوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعلمهم بأمور الدين وأشدهم موافقة لأمر الله - تعالى - وسبق في باب إرادة الصديق الهجرة قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورد ابن الدغنة له ، وقوله لقريش ، إن مثله لا يخرج ، ووصفه بنظير ما وصفت به خديجة - رضي الله عنها - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كونه يصل الرحم ويحمل الكل ويعين على نوائب الحق وغير ذلك . فلما كانت صفاتهما متشابهة من الابتداء ، استمر ذلك إلى الانتهاء ، ولم يذكر عمر أنه راجع أحدا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير أبي بكر ، وذلك لجلالة قدره وسعة علمه عنده .

الرابع والثلاثون : قول عمر - رضي الله عنه - فعملت لذلك أعمالا ، قال بعض الشراح - رحمهم الله : أي من الذهاب والمجيء والسؤال والجواب ، لم يكن ذلك شكا من عمر ، بل طلبا من كشف ما خفي عليه ، وحثا على إذلال الكفار ، لما عرف من قوته في نصرة الدين .

انتهى .

قال الحافظ : وتفسير الأعمال بما ذكر مردود ، بل المراد الأعمال الصالحة ليكفر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداء . وقد ورد عن عمر التصريح بمراده بقوله : «أعمالا [ ص: 79 ]

لأتقي» ، ورواية ابن إسحاق : فكان عمر يقول : ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به . وعند الواقدي من حديث ابن عباس : قال عمر :

لقد أعتقت بسبب ذلك رقابا وصمت دهرا ، وأما قوله : ولم يكن شك ، فإن أراد نفي الشك فواضح ، وقد وقع في رواية ابن إسحاق أن أبا بكر لما قال له الزم غرزه فإنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال عمر : أنا أشهد أنه رسول الله ، وإن أراد نفي الشك في وجود المصلحة وعدمها فمردود ، وقد قال السهيلي - رحمه الله - هذا الشك ما لا يستمر صاحبه عليه ، وإنما هو من باب الوسوسة ، كذا قال الحافظ . والذي يظهر أنه توقف معه ليقف على الحكمة في القصة ، وتنكشف عنه الشبهة ، ونظيره قصته في الصلاة على عبد الله بن أبي ، وإن كان في الأول لم يطابق اجتهاده الحكم ، بخلاف الثانية ، وهي هذه القصة ، وإنما عمل الأعمال المذكورة لهذه ، وإلا فجميع ما صدر منه كان معذورا فيه ، بل هو مأجور ، لأنه مجتهد فيه .

الخامس والثلاثون : إنما توقف المسلمون في النحر والحلق بعد الأمر بهما ، لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب ، أو لرجاء نزول الوحي بإبطال الصلح المذكور ، وتخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم ، ويسوغ لهم ذلك ، لأنه كان زمان وقوع التشريع . ويحتمل أن يكونوا أبهتهم صورة الحال فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم مع ظهور قوتهم واقتدارهم - في اعتقادهم - على بلوغ غرضهم وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة ، وأخروا الامتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقضي الفور ، ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم كما سبق في القصة من كلام أم سلمة - رضي الله عنها - في قولها «لا تلمهم» إلخ .

السادس والثلاثون : في كلامه - صلى الله عليه وسلم - لأم سلمة في توقف الناس عن امتثال أمره ، جواز مشاورة الأمر المرأة الفاضلة ، وفضل أم سلمة ووفور عقلها ، حتى قال إمام الحرمين : لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلا أم سلمة ، كذا قال وقد استدرك بعضهم عليه بنت شعيب في أمر موسى .

السابع والثلاثون : لا يعد ما وقع من أبي بصير من قتله الرجل الذي جاء في طلبه غدرا لأنه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدة التي بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش ، إلا أنه إذ ذاك كان محبوسا بمكة ، لكنه لما خشي أن المشرك يعيده إلى المشركين درأ عن نفسه بقتله ، ودافع عن دينه بذلك ، ولم ينكر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك .

الثامن والثلاثون : في حديث المسور ، ومروان بعد ذكر قصة أبي بصير ، فأنزل الله - تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم [الفتح 24] ظاهره أنها نزلت في [ ص: 80 ]

شأن أبي بصير ، وفيه نظر ، والمشهور في سبب نزولها ما رواه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع ، ومن حديث أنس بن مالك ، وأحمد ، والنسائي بسند صحيح من حديث عبد الله بن مغفل أنها أنزلت بسبب القوم الذين أرادوا من قريش أن يأخذوا من المسلمين غرة فظفر المسلمون بهم ، فعفا عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل في سبب نزولها غير ذلك .

التاسع والثلاثون : قال البلاذري - رحمه الله - قال العلماء : والمصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة وفوائده الظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلهم ودخول الناس في دين الله أفواجا ، وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون ، ولا يتظاهر عندهم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ، هو ولا يخلون بمن يعلمهم بها مفصلة ، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين وجاءوا إلى المدينة ، وذهب المسلمون إلى مكة وخلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونهم ، وسمعوا منهم أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - مفصلة بجزئياتها ، ومعجزاته الظاهرة ، وأعلام نبوته المتظاهرة ، وحسن سيرته ، وجميل طريقته ، وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك ، فمالت نفوسهم إلى الإيمان حتى بدر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة ، وازداد الآخرون ميلا إلى الإسلام ، فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم لما كان تمهد لهم من الميل ، وكانتالعرب في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي .

التالي السابق


الخدمات العلمية