سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
ذكر انتقاله - صلى الله عليه وسلم - إلى حصون الكتيبة وبعثه السرايا لوجع رأسه وما وقع في ذلك من الآيات

لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصون النطاة ، والشق انهزم من سلم منهم إلى حصون الكتيبة ، وأعظم حصونها القموص ، وكان حصنا منيعا .

ذكر موسى بن عقبة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاصره قريبا من عشرين ليلة ، وكانت أرضا وخمة .

وروى الشيخان عن سهل بن سعد ، والبخاري وابن أبي أسامة ، وأبو نعيم عن سلمة بن الأكوع ، وأبو نعيم ، والبيهقي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه . وأبو نعيم عن ابن عمر ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو سعيد الخدري ، وعمران بن حصين ، وجابر بن عبد الله ، وأبو ليلى ، ومسلم ، والبيهقي عن أبي هريرة ، والإمام أحمد وأبو يعلى والبيهقي عن علي - رضي الله عنهم - قال بريدة - رضي الله عنه - : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأخذه الشقيقة فيمكث اليوم واليومين لا يخرج ، فلما نزل خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس ، فأرسل أبا بكر - رضي الله عنه - فأخذ راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ، ثم رجع ، ولم يكن فتح . وقد جهد ، ثم أرسل عمر - رضي الله عنه - فأخذ راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال الأول ، ثم رجع ، ولم يكن فتح . وفي حديث عن علي عند البيهقي : إن الغلبة كانت لليهود في اليومين . انتهى .

فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال : «لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله عليه ، ليس بفرار ، يحب الله ورسوله ، يأخذها عنوة» وفي لفظ «يفتح الله على يديه»

قال بريدة : فبتنا طيبة أنفسنا أن يفتح غدا ، وبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها ، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم يرجو أن يعطاها ، قال أبو هريرة قال عمر : فما أحببت الإمارة قط حتى كان يومئذ .

قال بريدة : فما منا رجل له من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منزلة إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل ، حتى تطاولت أنالها ، ورفعت رأسي لمنزلة كانت لي منه ، وليس منة .


وفي حديث سلمة ، وجابر : وكان علي تخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرمد شديد كان به لا يبصر ، فلما سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا ، أنا أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -!! فخرج [ ص: 125 ] فلحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال بريدة : وجاء علي - رضي الله عنه - حتى أناخ قريبا ، وهو رمد ، قد عصب عينيه بشق برد قطري ، قال بريدة : فما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الغداة ، ثم دعا باللواء ، وقام قائما . قال ابن شهاب : فوعظ الناس ، ثم قال : «أين علي» ؟ قالوا : يشتكي عينيه ، قال : «فأرسلوا إليه» قال سلمة : فجئت به أقوده ، قالوا كلهم : فأتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ما لك ؟ » قال : رمدت حتى لا أبصر ما قدامي . قال : «ادن مني» وفي حديث علي عند الحاكم : فوضع رأسي عند حجره ، ثم بزق في ألية يده فدلك بها عيني ، قالوا : فبرأ كأن لم يكن به وجع قط ، فما وجعهما علي حتى مضى لسبيله ، ودعا له وأعطاه الراية ، قال سهل فقال علي : يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا . فقال : «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم . ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى - وحق رسوله . فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» وقال أبو هريرة : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي : «اذهب فقاتلهم حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت» قال : علام أقاتل الناس ؟ قال : «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله» فخرجوا ، فخرج بها والله يؤج يهرول هرولة . حتى ركزها تحت الحصن فاطلع يهودي من رأس الحصن فقال : من أنت ؟ قال : علي ، فقال اليهودي غلبتهم والذي أنزل التوراة على موسى ، فما رجع حتى فتح الله تعالى على يديه .

قال أبو نعيم : فيه دلالة على أن فتح علي لحصنهم مقدم في كتبهم بتوجيه من الله وجهه إليهم ، ويكون فتح الله - تعالى - على يديه .

التالي السابق


الخدمات العلمية