سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
تنبيهات

الأول : تقدم أن نفرا من عكل وعرينة بالواو العاطفة من غير شك . قال الحافظ : «وهو الصواب . وهي رواية البخاري في المغازي وإن وقع غيرها بأو» وزعم ابن التين تبعا للداودي أن عرينة هم عكل» . قال الحافظ . «وهو غلط بل هما قبيلتان متغايرتان : عكل قبيلة من تيم الرباب بكسر الراء وتخفيف الموحدة : الأولى من عدنان ، وعرينة من قحطان في بجيلة وقضاعة . فالذي في بجيلة- وهو المراد هنا- عرينة بن نذير- بفتح النون وكسر الذال المعجمة- ابن قسر- بقاف مفتوحة فسين مهملة ساكنة فراء- ابن عبقر ، وعبقر أمه بجيلة . والعرن حكة تصيب الخيل والإبل في قوائمها .

ووقع عند عبد الرزاق بسند ساقط أن عكلا وعرينة من بني فزارة وهو غلط؛ لأن بني فزارة من مضر ، لا يجتمعون مع عكل وعرينة أصلا .

الثاني : ذكر ابن إسحاق أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد ، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست . وذكرها البخاري بعد الحديبية ، وكانت في ذي القعدة منها . وذكر محمد بن عمر أنها كانت في شوال منها ، وتبعه ابن سعد ، وابن حبان وغيرهما .

الثالث : اختلف في أمير هذه السرية ، فقال ابن إسحاق والأكثرون : كرز- بضم الكاف وسكون الراء وزاي- ابن جابر الفهري- بكسر الفاء . وقال موسى بن عقبة إن أميرها سعيد- كذا عنده بزيادة ياء تحتية- والذي ذكره غيره سعد- بسكون العين- ابن زيد الأنصاري الأشهلي .

قال الحافظ : فيحتمل أنه كان رأس الأنصار ، وكان كرز أمير الجماعة . وذكر بعضهم أن أمير هذه السرية جرير بن عبد الله البجلي ، وتعقب بأن إسلامه كان بعد هذه السرية بنحو أربع سنين . [ ص: 118 ]

الرابع : ظاهر بعض الروايات أن اللقاح كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصرح بذلك في رواية البخاري في المحاربين فقال : إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي رواية : «فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة» . والجمع بينهم أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة ، وصادف بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء لشرب ألبان الإبل ، فأمرهم أن يخرجوا مع راعية ، فخرجوا معه إلى الإبل ففعلوا ما فعلوا ، وظهر مصداق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المدينة تنفي خبثها .

الخامس : احتج من قال بطهارة بول ما أكل لحمه بما في قصة العرنيين من أمره لهم بشرب ألبانها وأبوالها ، وهو قول الإمام مالك وأحمد ، ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والإصطخري والروياني . وذهب الإمام الشافعي والجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلها من مأكول اللحم وغيره . واحتج ابن المنذر بقوله : توزن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة . قال : ومن زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام لم يصب؛ إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل . قال : وفي ترك أهل العلم بيع الناس أبعار الغنم في أسواقهم واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديما وحديثا من غير نكير دليل ظاهر . قال الحافظ : وهو استدلال ضعيف؛ لأن المختلف فيه لا يجب إنكاره؛ فلا يدل ترك إنكاره على جوازه فضلا عن طهارته . وقد دل على نجاسة الأبوال .

حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «[دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» ] .

وكان القاضي أبو بكر بن العربي الذي تعلق بهذا الحديث ممن قال بطهارة أبوال الإبل ، وعورض بأنه أذن لهم في شربها للتداوي . وتعقب بأن التداوي ليس حال ضرورة بدليل أنه لا يجب ، فكيف يباح الحرام بما لا يجب ؟ وأجيب بمعنى أنه ليس بحال ضرورة ، بل هو حال ضرورة إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره ، وما أبيح للضرورة لا يسمى حراما ، وقد تأوله لقوله تعالى : وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه [الأنعام 119] فما اضطر إليه المرء فهو غير محرم عليه كالميتة للمضطر ، والله تعالى أعلم . قال الحافظ : وما تضمنه كلامه من أن الحرام لا يباح ولا الأمر واجب غير مسلم؛ فإن الفطر في رمضان حرام ، ومع ذلك فيباح لأمر جائز كالسفر مثلا . وأما قول غيره : ولو كان نجسا ما جاز التداوي به .

لقوله صلى الله عليه وسلم : «أن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» .

رواه أبو داود من حديث أم سلمة : فجوابه أن الحديث محمول على حالة الاختيار . وأما في حالة الضرورة فلا يكون حراما كالميتة للمضطر ، ولا يرد قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر إنها ليست بدواء ، إنها داء؛ في سؤال من سأل من التداوي بها فيما رواه مسلم فإن ذلك خاص بالخمر ويلتحق بها غيرها من المسكر .

والفرق بين المسكر وغيره من النجاسات أن الحديث باستعماله في حالة الاختيار دون غيره . [ ص: 119 ]

ولأن شربه يجر إلى مفاسد كثيرة؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء ، فجاء الشرع بخلاف معتقدهم . قاله الطحاوي بمعناه .

قال الشيخ تقي الدين السبكي : كان في الخمر منفعة في التداوي بها ، فلما حرمت نزع الله الدواء منها ، وأما أبوال الإبل؛ فقد روى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إن في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم» .

والذرب بذال معجمة : فساء المعدة . فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه ، وبهذا الطريق يحصل الجمع بين الأدلة والعمل بمقتضاها .

السادس : لم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذكره في الإفراد ، وكذا مسلم ، لكن عنده من رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس : «ثم مالوا على الرعاء فقتلوهم» بصيغة الجمع ونحوه لابن حبان من رواية يحيى بن سعيد عن أنس . فيحتمل أن إبل الصدقة كان لها رعاة فقتل بعضهم مع راعي اللقاح ، فاقتصر بعض الرواة على راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر بعضهم معه غيره . ويحتمل أن يكون بعض الرواة ذكره بالمعنى؛ فتجوز في الإتيان بصيغة الجمع . قال الحافظ : وهو الراجح؛ لأن أصحاب المغازي لم يؤكد أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار ، والله تعالى أعلم .

السابع : في صحيح مسلم فيمن أرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب العرنيين أنهم من الأنصار ، فانطلق الأنصار تغليبا ، وقيل للجميع أنصار بالمعنى الأعم .

الثامن : استشكل القاضي عدم سقيهم بالماء بالإجماع على أن من وجب عليه القتل فاستسقى لا يمنع . وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا وقع منه نهي عن سقيهم .

قال الحافظ : وهو ضعيف جدا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وسكوته كان في ثبوت الحكم ، وأجاب النووي بأن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره ، ويدل عليه أن من ليس معه إلا ماء لطهارته ليس له أن يسقيه للمرتد ويتيمم بل يستعمله ولو مات مطلقا .

وقيل إن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالعطش على من عطش آل بيته ، في قصة رواها النسائي ، فيحتمل أنهم تلك الليلة منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يراح به إلى النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة كما ذكر ابن سعد .

التاسع : في رواية : «سمر أعينهم» ، بتشديد الميم . وفي رواية بالتخفيف . ولم تختلف روايات البخاري في أنها بالراء ، ووقع عند مسلم : «فسمل» باللام . قال الخطابي : «السمل» هو فقء العين بأي شيء كان . والسمر لغة في السمل ، ومخرجهما متقارب ، وقد يكون من المسمار . [ ص: 120 ]

يريد أنهم كحلوا بأميال قد أحميت كما في رواية الصحيح : فكحلهم بها . فهذا يوضح ما تقدم ولا يخالف رواية السمل؛ لأنه فقء العين بأي شيء كان .

العاشر : في بيان غريب ما سبق :

محارب : بضم الميم وبالحاء المهملة وكسر الراء وبالموحدة .

يسار : بفتح التحتية والسين المهملة وبالراء .

اللقاح : بكسر اللام ، جمع لقحة بفتح اللام وكسرها وسكون القاف : الناقة ذات اللبن . قال أبو عمر : ويقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر .

الحمى : بكسر الحاء المهملة وفتح الميم المخففة .

عكل : بضم العين المهملة وسكون الكاف بعدها لام .

عرينة : بعين مهملة فراء فتحتية فنون فهاء تأنيث ، مصغر .

السقم : بفتح السين المهملة وضمها : طول مدة المرض .

الهزال : بضم الهاء وتخفيف الزاي ، ضد السمن .

عظمت بطونهم : انتفخت .

الصفة : بضم الصاد المهملة وتشديد الفاء ، والمراد ههنا موضع مظلل في آخر المسجد النبوي في شمالية يسكنه الغرباء ممن ليس لهم موضع يأوون إليه ولا أهل اجتووا المدينة . قال الفزاري : لم يوافقهم طعامها . وقال أبو بكر بن العربي : هو بمعنى استوخموا . وقال غيره : داء يصيب الجوف .

استوخموا المدينة : لم يوافق هواؤها أبدانهم .

طحلوا : بضم الطاء وكسر المهملتين وباللام : أعيوا وهزلوا .

الموم : بضم الميم وسكون الواو [وهو] البرسام بكسر الموحدة سرياني معرب ، يطلق على اختلال العقل وعلى ورم الرأس وورم الصدر ، والمراد هنا الأخير .

الضرع : بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء وبالعين المهملة ، وهو لذات الظلف كالثدي للمرأة .

ابغنا : اطلب .

الرسل : بكسر الراء وسكون السين المهملة وباللام : اللبن .

الذود : بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وبالدال المهملة وهو [الإبل إذا كانت] ما [ ص: 121 ]

بين الثلاثة إلى العشرة ، وقيل غير ذلك .

فيفاء : بفاءين الأولى مفتوحة بينهما تحتية ساكنة وبالألف الممدودة موضع ، ويقال له فيفاء الخبار كغزال وفيف من غير إضافة .

والخبار : بخاء معجمة مفتوحة فموحدة مخففة . وبعد الألف راء . قال في النهاية :

وبعضهم يقول بالحاء المهملة والتحتية المشددة .

عدوا عليه : ظلموه .

استاقوا : من السوق ، وهو السير العنيف .

السرح : بفتح السين المهملة وسكون الراء وبالحاء المهملة : المال السائم ، وسرحتها أرسلتها ترعى .

الصريخ : بفتح الصاد وكسر الراء المهملتين وبالخاء المعجمة ، فعيل بمعنى فاعل؛ أي صرخ بالإعلام بما وقع منهم . وهذا الصارخ أحد الراعيين .

آثارهم : جمع أثر؛ أي : بقية الشيء ، أي في طلبهم .

الأكوع : بفتح أوله وسكون الكاف وفتح الواو وبعين مهملة .

أبو رهم : بضم الراء وسكون الهاء .

الغفاري : بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء .

أبو ذر : بفتح الذال المعجمة .

بريدة : بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية وبالدال المهملة .

مكيث : بفتح الميم وكسر الكاف وسكون التحتية وبالثاء المثلثة .

جعال : بجيم مكسورة فعين مهملة فلام ككتاب .

سويد : بضم السين المهملة وفتح الواو وسكون التحتية وبالدال المهملة .

كرز : بضم الكاف وسكون الراء فزاي .

القايف : بالقاف والتحتية والفاء : الذي يتتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه ، والجمع القافة ، يقال : قاف الرجل الأثر قوفا من باب : قال . .

المسك : بفتح الميم وسكون السين المهملة : الجلد .

أدركوا : بالبناء للمفعول .

الحرة : أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة وإنما ألقوا فيها لأنها أقرب إلى المكان . [ ص: 122 ]

الذي فعلوا فيه ما فعلوا .

الكتف : بفتح الكاف وكسر الفوقية والفاء : وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب .

الرغابة : بكسر الراء وبالغين المعجمة والموحدة : أرض متصلة بالجرف بضم الجيم والراء كما قاله أبو عبيد البكري والقاضي والحازمي ، وقال المجد اللغوي : «واد رغيب ضخم كثير الأخذ واسع كرغب بضمتين» مجتمع الأسيال .

سمر : بفتح السين والميم المشددة وبتخفيفها ثم راء .

كسمل : بفتح السين المهملة والميم وباللام : فقأ أعينهم بأي شيء كان .

قطع يده ورجله من خلاف : أي إحداهما من جانب والأخرى من جانب آخر .

نبذ الشيء : طرحه .

كدم يكدم : بكسر الدال المهملة وضمها عض بمقدم أسنانه .

لم يحسمهم : لم يقطع سيلان دمائهم بالكي .

أبو قلابة : بكسر القاف والموحدة .

سيرين : بكسر السين المهملة وسكون التحتية وكسر الراء وتحتية وبالنون .

المثلة : بضم الميم وسكون المثلثة ، ويروى بفتح أوله ويروى بضمهما معا : وهي ما يفعل من التشويه بالقتلى ، وجمعه مثلات بضمتين . وقال أبو عمر : المثلة بالضم فالسكون والمثل بفتح أوله وسكون ثانيه قطع أنف القتيل وأذنه .

الحناء : بحاء مهملة فنون مشددة . [ ص: 123 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية