سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الباب الحادي والعشرون في وفود بني تميم إليه صلى الله عليه وسلم

وسبب مجيئهم أخذ عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري جماعة منهم كما تقدم في الباب السادس والخمسين من السرايا . فقدم فيهم عدة من رؤساء بني تميم . فروى ابن إسحاق ، وابن مردويه عن عطارد بن حاجب بن زرارة ، والزبرقان بن بدر ، وعمرو بن الأهتم ، والحبحاب بن يزيد ، ونعيم بن يزيد ، وقيس بن الحارث ، وقيس بن عاصم ، ورياح بن الحارث في وفد عظيم يقال : كانوا سبعين أو ثمانين رجلا . وعيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس كانا شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنين والطائف ، فلما قدم وفد بني تميم قدما معهم .

قالوا : فدخلوا المسجد وأذن بلال بالظهر والناس ينتظرون خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل وفد بني تميم واستبطئوه ، فنادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته : يا محمد اخرج إلينا ، يا محمد اخرج إلينا ، ثلاث مرات فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم . فخرج إليهم فقالوا : إن مدحنا لزين وإن ذمنا لشين نحن أكرم العرب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كذبتم بل مدحة الله عز وجل الزين وذمه الشين ، وأكرم منكميوسف بن يعقوب»
.

وروى الإمام أحمد عن الأقرع بن حابس ، وابن جرير بسند جيد ، وأبو القاسم [ ص: 288 ] البغوي ، والطبراني بسند صحيح ، والترمذي وحسنه ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال البراء : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الأقرع إنه هو ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد اخرج إلينا ، فلم يجبه فقال : يا محمد إن حمدي لزين وإن ذمي لشين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ذاك الله عز وجل» . فقال : إنا أتيناك لنفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا . قال : «قد أذنت لخطيبكم فليقل» . فقام عطارد بن حاجب فقال :

«الحمد لله الذي له علينا الفضل وهو أهله ، الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما ، نفعل فيها المعروف ، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة ، فمن مثلنا في الناس ؟ ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم ؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا ، وإنا لو شئنا لأكثرنا الكلام ولكنا نستحي من الإكثار فيما أعطانا [وإنا نعرف بذلك] . أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا» . ثم جلس .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج : «قم فأجب الرجل في خطبته» . فقام ثابت فقال : «الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه ، قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه ، ولم يك شيء قط إلا من فضله ، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا ، واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمه نسبا ، وأصدقه حديثا . وأفضله حسبا فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه ، فكان خيرة الله من العالمين ، ثم دعا الناس إلى الإيمان به ، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه ، أكرم الناس أحسابا وأحسن الناس وجوها وخير الناس فعالا ، ثم كان أول الخلق إجابة ، واستجاب الله حين دعاه رسول الله نحن ، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله ، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله ورسوله ، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في الله أبدا ، وكان قتله علينا يسيرا . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم» .

فقام الزبرقان بن بدر فقال ، وفي لفظ فقال الزبرقان بن بدر لرجل منهم : يا فلان قم فقل أبياتا تذكر فيها فضلك وفضل قومك فقام فقال :


نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع     وكم قسرنا من الأحياء كلهم
عند النهاب وفضل العز يتبع     ونحن نطعم عند القحط مطعمنا
من الشواء إذا لم يؤنس القزع     ونطعم الناس عند المحل كلهم
من السديف إذا لم يؤنس القزع     بما ترى الناس تأتينا سراتهم
من كل أرض هويا ثم نصطنع     فننحر الكوم عبطا في أروقتنا
للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا . [ ص: 289 ]     فلا ترانا إلى حي نفاخرهم
إلا استفادوا فكانوا الرأس يقتطع     فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه
فيرجع القوم والأخبار تستمع     إنا أبينا ولا يأبى لنا أحد
إنا كذلك عند الفخر نرتفع

قال ابن هشام : ويروى : «منا الملوك وفينا تقسم الربع» .
ويروى : «من كل أرض هوانا ثم متبع» . رواه لي بعض بني تميم [وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها للزبرقان] .

قال ابن إسحاق : وكان حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه غائبا فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال حسان : جاءني رسوله فأخبرني أنه إنما دعاني لأجيب شاعر بني تميم فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول :


منعنا رسول الله إذ حل وسطنا     على أنف راض من معد وراغم
منعناه لما حل بين بيوتنا     بأسيافنا من كل باغ وظالم
ببيت حريد عزه وثراؤه     بجابية الجولان وسط الأعاجم
هل المجد إلا السؤدد العود والندى     وجاه الملوك واحتمال العظائم

فلما فرغ الزبرقان

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت : «قم يا حسان فأجب الرجل»

فقام حسان فقال :


إن الذوائب من فهر وإخوتهم     قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بهم كل من كانت سريرته     تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم     أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة     إن الخلائق فاعلم شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم     فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم     عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم     أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم     لا يطمعون ولا يرديهم طمع
لا يبخلون على جار بفضلهم     ولا يمسهم من مطمع طبع
إذا نصبنا لحى لم ندب لهم     كما يدب إلى الوحشية الذرع
نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها     إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم     وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
كأنهم في الوغى والموت مكتنع     أسد بحلية في أرساغها فدع
خذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبوا     ولا يكن همك الأمر الذي منعوا .
[ ص: 290 ] فإن في حربهم فاترك عداوتهم     شرا يخاض عليه السم والسلع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم     إذا تفاوتت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحتي قلب يوازره     فيما أحب لسان حائك صنع
فإنهم أفضل الأحياء كلهم     إن جد بالناس جد القول أو شمعوا

قال ابن هشام : وأنشدني أبو زيد :


يرضى بها كل من كانت سريرته     تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا

قال ابن هشام : حدثني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم أن الزبرقان بن بدر لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم قال :


أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا     إذا اختلفوا عند احتضار المواسم
بأنا فروع الناس في كل موطن     وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
وإنا نذود المعلمين إذا انتخوا     ونضرب رأس الأصيد المتفاقم
فإن لنا المرباع في كل غارة     نغير بنجد أو بأرض الأعاجم

فقام حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه فأجابه فقال :


هل المجد إلا السؤدد العود والندى     وجاه ملوك واحتمال العظائم
نصرنا وآوينا النبي محمدا     على أنف راض من معد وراغم
بحي حريد أصله وثراؤه     بجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لما حل وسط ديارنا     بأسيافنا من كل باغ وظالم
جعلنا بنينا دونه وبناتنا     وطبنا له نفسا بفيء المغانم
ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا     على دينه بالمرهفات الصوادم
ونحن ولدنا من قريش عظيمها     ولدنا نبي الخير من آل هاشم
بني دارم لا تفخروا إن فخركم     يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم     لنا خول من بين ظئر وخادم
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم     وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا     ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم

قال ابن إسحاق : فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله قال الأقرع بن حابس : «وأبي إن هذا الرجل لمؤتى له ، لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا ولأصواتهم أعلى من أصواتنا» .

فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم . وكان عمرو بن [ ص: 291 ]

الأهتم
قد خلفه القوم في ظهرهم ، وكان أصغرهم سنا ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم .

وقال محمد بن عمر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز كل رجل منهم اثنتي عشرة أوقية إلا عمرو بن الأهتم فإنه أعطاه خمس أواق لحداثة سنه . قال ابن إسحاق : وفيهم نزل من القرآن : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون [الحجرات 4] [وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم] فقال : «هم جفاة بني تميم ، لولا أنهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم» .

وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم ، والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم التميميون . ففخر الزبرقان وقال : يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب منهم آخذ لهم بحقوقهم وأمنعهم من الظلم وهذا يعلم ذلك . وأشار إلى عمرو بن الأهتم .

فقال عمرو بن الأهتم : إنه لشديد العارضة ، مانع لجانبه ، مطاع في أدانيه . فقال الزبرقان : والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال وما منعه أن يتكلم إلا الحسد . فقال عمرو بن الأهتم : «أنا أحسدك ، فو الله إنك للئيم الخال ، حديث المال ، أحمق الولد ، مبغض في العشيرة ، والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا وما كذبت فيما قلت آخرا ، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت ، ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعا» .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن من البيان لسحرا»
.

التالي السابق


الخدمات العلمية