سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الباب الثاني

في حسن خلقه صلى الله عليه وسلم

قال الله سبحانه وتعالى : وإنك لعلى خلق عظيم [ن : 4] وروى ابن أبي شيبة ، والبخاري في الأدب المفرد ، ومسلم والترمذي والنسائي ، وابن المنذر ، والحاكم ، والبيهقي ، وابن مردويه ، عن يزيد بن بابنوس -وهو بموحدتين ، بينهما ألف ، ثم نون مضمومة ، وواو ساكنة ، وسين مهملة- أن عائشة رضي الله تعالى عنها لما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : «ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم» وفي لفظ : «كان أحسن الناس خلقا كان خلقه القرآن ، يرضى لرضاه ، ويغضب لغضبه ، لم يكن فاحشا ولا متفاحشا ولا سخابا في الأسواق ، ولا يجزئ بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح» ، ثم قالت : اقرأ سورة المؤمنين ، اقرأ : قد أفلح المؤمنون [المؤمنون : 1] إلى العشر ، فقرأ السائل : قد أفلح المؤمنون ، فقالت : هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وروى ابن المبارك وعبد الله بن حميد ، وابن المنذر ، والبيهقي في الدلائل عن عطية العوفي : في الآية مثال على أدب القرآن .

وروى الإمام أحمد والخرائطي ، وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» رواه الإمام مالك عنه بلفظ : «بعثت لأتم حسن الأخلاق» ورواه البزار بلفظ : «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» .

وروى ابن سعد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي» .

وروى البزار عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى لم يبعثني متعنتا ولكن بعثني معلما وميسرا» .

وروى الشعبي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه من شيء قط ، إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى» وفي رواية مسلم [ ص: 7 ] قالت : «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بيده ، ولا ضرب مولى له ، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى ، وما نيل منه شيء فينتقم من صاحبه ، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله ، فينتقم لله تعالى» .

وروى يعقوب بن سفيان ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفاحشا ولا صخابا في الأسواق» .

وروى الإمام أحمد والشيخان عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفاحشا وكان يقول : «إن خياركم أحسنكم أخلاقا» .

وروى البخاري عنه أيضا قال : «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم موصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن ، فذكر الحديث ، وفيه : «ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزئ بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح» .

وروى الإمام أحمد والشيخان والخرائطي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين» وفي لفظ : «إحدى عشرة سنة ، وأنا ابن ثمان سنين ، في السفر والحضر ، والله ما قال لي أف قط ، ولا لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع هذا هكذا ؟ ولا لشيء صنعته : أسأت صنعته ، أو لبئس ما صنعت ، ولا عاب علي شيئا قط ، ولا أمرني بأمر فتوانيت عنه ، أو ضيعته فلامني ، ولا لامني أحد من أهله إلا قال دعوه ، فلو قدر أو قال : قضي أن يكون كان» .

«وأرسلني في حاجة يوما فقلت : والله لا أذهب ، وفي نفسي أن أذهب لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت على صبيان وهم يلعبون في السوق ، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي ، فنظرت إليه ، وهو يضحك ، فقال : يا أنس ، اذهب حيث أمرتك ، فقلت له : أنا أذهب يا رسول الله» .

وروى البخاري عنه أيضا قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبابا ولا لماما ولا فاحشا ، وكان يقول لأحدنا عند المعاتبة : «ما له ترب جبينه» .

وروى الإمام أحمد والبخاري عنه أيضا قال : «كانت الأمة -زاد البخاري : والعبد- لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت ، ويجيب إذا دعي» . [ ص: 8 ]

وروى أبو داود عنه قال : ما رأيت رجلا التقم أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحى رأسه عنه ، حتى يكون الرجل هو الذي ينزع ، وما رأيت رجلا أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فترك يده ، حتى يكون الرجل هو الذي ينزع .

وروى مسلم والحارث بن أبي أسامة ، عن معاوية بن الحكم رضي الله تعالى عنه قال : بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة إذ عطس رجل من القوم فقلت : يرحمك الله ، فحدقني القوم بأبصارهم ، قال : فقلت : يرحمك الله ، فحدقني القوم بأبصارهم ، قال : قلت : واثكل أماه ، ما لهم ينظرون إلي ، قال : فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم قال : فلما رأيتهم يسكتوني سكت ، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته دعاني ، فبأبي هو وأمي ، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه ، والله ما ضربني ، ولا سبني ، ولا نهرني ، ولكن قال : «إن صلاتك هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن» رواه مسلم .

وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام شاب فقال : يا رسول الله ائذن لي في الزنا ، فصاح الناس وقالوا : مه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أتحبه لأمك ؟ » فقال : لا ، قال : «وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم ، أتحبه لأختك ؟ قال : لا ، قال : «وكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم ، قال : أتحبه لعمتك ؟ » قال : لا ، قال : «وكذلك الناس لا يحبونه لعماتهم ، فاكره لهم ما تكره لنفسك ، وأحب لهم ما تحب لنفسك» وذكر الحديث . رواه أبو نعيم .

وروى أيضا عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ثيابنا في الجنة ننسجها بأيدينا أم تشقق من ثمر الجنة ؟ فضحك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الأعرابي : مم يضحكون ؟ من جاهل يسأل عالما ؟ فقال : صدقت يا أعرابي ، ولكنها تشقق من ثمر الجنة .

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رهطا من اليهود دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : «السلام عليك» فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «عليكم» ، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : ففهمنا فقلت : السلام إلا عليكم ، واللعنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «مهلا يا عائشة إن الله تعالى يحب الرفق في [ ص: 9 ] الأمر كله» ، قالت : يا رسول الله ألم تسمع لما قالوا ؟ قال : «قد قلت : «عليكم» رواه عبد الرحمن بن حميد .

وروى أبو يعلى عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه كان يخطب فقال : أما والله قد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر ، وكان يعود مرضانا ، ويشيع جنائزنا ويغدو معنا ، ويواسينا بالقليل والكثير .

وروى ابن أبي شيبة والبخاري ، وأبو الشيخ ، والبيهقي عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال : كان رجل من الأنصار يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن ذلك الرجل عقد له عقدا ، فألقاه في بئر ، فصرع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتاه ملكان يعودانه ، فأخبراه أن فلانا عقد له عقدا ، وهي في بئر فلان ، وقد اصفر من شدة عقده ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فاستخرج العقد ، فوجد العاقد اصفر ، فحل العقد ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا رآه في وجهه قط ، ولم يعاتبه حتى مات ، وفي رواية : فلم يذكر له شيئا ، ولم يعاتبه فيه ، وفي رواية : فما رأيته في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا ذكره له حتى مات .

وروى يعقوب بن سفيان عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافحه الرجل لا ينزع يده من يده ، حتى يكون الرجل ينزع ، وإن استقبله بوجهه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف ، ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس له .

وروى الخطيب في الرواية عن مالك عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الرفق في الأمور كلها .

وروى البيهقي عن ابن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دمثا ، ليس بالجافي ولا المهين ، لا يقوم لغضبه شيء إذا تعرض الحق ، حتى ينظر له ، وفي رواية : لا تغضبه الدنيا ، وما كان لها ، فإذا تعرض الحق لم يعرف أحدا ، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له ، ولا يغضب لنفسه ، ولا ينتصر لها .

وروى الشيخان وابن سعد وأبو الشيخ عن أنس رضي الله تعالى عنه : قال : كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة ، قال أنس : حتى نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم أثرت بها حاشية الثوب ، من [ ص: 10 ] شدة جبذته ، فقال : يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ، وأمر له بعطاء .

وروى الطبراني بسند حسن عن صفية رضي الله تعالى عنها قالت : ما رأيت أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وروى الإمامان والشافعي وأحمد والبخاري والأربعة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «أن أعرابيا دخل المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ، فصلى ركعتين فقال : اللهم ارحمني ومحمدا ، ولا ترحم معنا أحدا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لقد تحجرت واسعا» ، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد ، فأسرع الناس إليه ، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : «تزرموه» ، فقضى حاجته ، حتى فرغ من بوله وقال : «إنما بعثتم ميسرين ، ولم تبعثوا معسرين ، علموا ، ويسروا ، ولا تعسروا ، صبوا عليه سجلا من ماء» زاد ابن ماجه : فقال الأعرابي بعد أن فقه : فقام إلي بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم ، فلم يؤنب فقال : إن هذا المسجد لا يبال فيه ، إنما بني لذكر الله تعالى وللصلاة .

وروى الشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه مه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تزرموه ، إنما بعثتم ميسرين ، ولم تبعثوا معسرين» ، فتركوه ، حتى بال ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال : «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ، والقذر ، إنما هي لذكر الله تعالى ، وقراءة القرآن ، ثم أمر رجلا فجاءه بدلو من ماء فشنه عليه» .

وروى الإمام أحمد والشيخان عنه قال : جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله : إن دوسا قد عصت وأبت ، فادع الله تعالى عليهم ، فاستقبل القبلة ، فرفع يده فقال الناس : هلكوا اليوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اللهم اهد دوسا ، وأت بهم جميعا ، ثلاثا» . [ ص: 11 ]

وروى أبو الشيخ وأبو الحسن بن الضحاك عنه أيضا قال : جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء فقال : يا محمد أعطني؛ فإنك لا تعطيني من مالك ، ولا من مال أبيك . فأعطاه شيئا ، ثم قال : «أحسنت إليك ؟ » قال لا ، ولا أجملت ، فغضب المسلمون ، وقاموا إليه ، فأشار إليهم أن كفوا ، ثم قام فدخل منزله ، ثم أرسل إلى الأعرابي فدعاه إلى البيت ، فأعطاه شيئا ، فقال : «أرضيت ؟ » فقال : لا ، ثم أعطاه أيضا ، فقال : «أرضيت ؟ » فقال : نعم ، نرضى ، فقال : «إنك جئتنا ، فسألتنا ، فأعطيناك ، فقلت ما قلت ، وفي أنفس المسلمين شيء من ذلك ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي ، حتى يذهب عن صدورهم ما فيها» قال : نعم ، فلما كان الغداة أو العشي جاء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن صاحبكم هذا كان جائعا فسألنا ، فأعطيناه ، فزعم أنه رضي ، أكذلك ؟ » فقال الأعرابي : «أي نعم ، فجزاك الله تعالى عن أهل وعشيرة خيرا» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ألا إن مثلي ومثلكم كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه ، فاتبعها الناس ، فلم يزيدوها إلا نفورا ، فناداهم صاحب الناقة : خلوا بيني وبين ناقتي ، فأنا أرفق بها ، فتوجه لها صاحبها بين يديها ، فأخذ لها من قمام الأرض ، فجاءت واستناخت ، فشد عليها رحلها ، واستوى عليها ، وأنا لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار ، فما زلت حتى فعلت ما فعلت» .

وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد ، ويعود المريض ، ويركب الحمار .

وروى الإمام أحمد ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعون ، فقيل له : إن شئت أن تستأني بهم ، وإن شئت أن نعطيهم الذي سألوا ، فإن كفروا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم ، قال : بل أستأني بهم .

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قيل يا رسول الله ادع على [ ص: 12 ] المشركين فقال : «لم أبعث لعانا ، وإنما بعثت رحمة» .

وروى أبو الحسن بن الضحاك ، عن زيد بن أسلم مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقوم يتدافعون حجرا بينهم ، وكأنه كره ذلك منهم ، فلما جاوزهم رجع إليهم مستفسرا فقال : «ما هذا الحجر» فقالوا : يا رسول الله هذا حجر الأسد ، فقال بعض أصحابه : لو نهرتهم يا رسول الله ، قال : «إنما بعثت ميسرا ، ولم أبعث منفرا» .

وروى الإمام أحمد عن تمام بن العباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف عبد الله وعبيد الله وكثيرا أبناء العباس رضي الله تعالى عنهم ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «من سبق إلي فله كذا وكذا وقال فيستبقون إليه ، فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزمهم» .

وروى ابن مردويه ، وأبو نعيم ، والواحدي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما دعاه أحد من أصحابه ، ولا من أهل بيته إلا قال : لبيك؛ فلذلك أنزل الله تعالى : وإنك لعلى خلق عظيم [ن : 4] .

وروى أبو الشيخ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فقد رجلا من أصحابه ثلاثة أيام سأل عنه ، فإن كان غائبا دعا له ، وإن كان شاهدا زاره ، وإن كان مريضا عاده .

وروى ابن سعد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في حاجة ، قال : فرأيت صبيانا فقعدت معهم ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصبيان .

وروى البيهقي عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال : كنت جار النبي صلى الله عليه وسلم ، وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا .

وروى محمد بن عمر الأسلمي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما وعن غيرها أن أبا بكر قال : يا رسول الله -لما أراد حجة الوداع- عندي بعير نحمل عليه زادنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذاك إذن ، فكانت زاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاملة أبي بكر رضي الله تعالى عنه واحدة ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزاد دقيق وسويق ، فجعل على بعير أبي بكر ، وأعطاه أبو بكر لغلام له . فنام الغلام في بعض الطريق فذهب البعير ، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء [ ص: 13 ] الغلام ، وليس معه شيء ، فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه : أين البعير ؟ فقال : ضل ، فقام إليه يضربه ، ويقول : بعير واحد ضل منك لو لم يكن إلا أنا لهان الأمر ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ، ويقول : ألا ترون إلى هذا المحرم وما يصنع ؟ فحمل جماعة جفنة من حيس وأقبلوا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وضعوها بين يديه ، فجعل يقول : يا أبا بكر هلم ، فقد جاءك الله تعالى بغذاء طيب ، وجعل أبو بكر يغتاظ على الغلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هون عليك ، فإن الأمر ليس عليك ، ولا إلينا معك ، قد كان الغلام حريصا أن لا يضل بعيره ، وهذا خلف مما كان معه» فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله ، ومن كان معه وكل من كان يأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شبعوا . ذكر في سيرته الحديث .

وذكر المحب الطبري رحمه الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر ، وأمر أصحابه بإصلاح شاة ، فقال رجل : يا رسول الله علي ذبحها ، وقال آخر : يا رسول الله علي سلخها ، وقال آخر : يا رسول الله علي طبخها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وعلي جمع الحطب» فقالوا يا رسول الله : نكفيك العمل ، فقال : «قد علمت أنكم تكفوني ، ولكن أكره أن أتميز عليكم ، وإن الله تعالى يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» .

التالي السابق


الخدمات العلمية