سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الثامن : في قصعته صلى الله عليه وسلم .

روى أبو الشيخ عن عبد الله بن بسر قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جفنة لها أربع حلق .

وروى أبو داود وأبو بكر الشافعي عن عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة ، والطعام يومئذ قليل ، فقال لأهله : «اطبخوا هذه الشاة ، وانظروا إلى هذا الدقيق فاخبزوه ، واطبخوا وأثردوا عليه» ، قال : وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم قصعة يقال لها الغراء ، يحملها أربعة رجال ، فلما أصبح وسبحوا سبحة الضحى أتي بتلك القصعة ، والتقوا عليها فإذا أكثر الناس جثى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أعرابي ما هذه الجلسة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى جعلني عبدا كريما ، ولم يجعلني جبارا عنيدا» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كلوا من جوانبها ، ودعوا ذروتها يبارك لكم فيها» ، ثم قال : «خذوا فكلوا فو الذي نفسي بيده لتفتحن عليكم أرض فارس والروم حتى يكثر الطعام فلا يذكر عليه اسم الله تعالى» .

التاسع : في سيرته صلى الله عليه وسلم في الطعام الحار .

روى الطبراني بسند فيه راو لم يسم وبقيته بسند حسن عن جويرية رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره الطعام الحار حتى يذهب فوره ودخانه .

وروى الإمام أحمد والطبراني عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أنها كانت إذا ثردت غطته شيئا حتى يذهب فوره ، ثم تقول : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

«إنه أعظم للبركة» .


وروى الطبراني برجال الصحيح والبيهقي عن خولة بنت قيس رضي الله تعالى عنها قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت له خزيرة فقدمتها إليه . فوضع يده فيها فوجد حرها ، فقبضها فقال : «يا خولة لا نصبر على حر ولا برد» ،

وفي رواية فقربت له عصيدة في تور ، فلما [ ص: 168 ] وضع يده فيها احترقت فقال : «حس» ثم قال : «إن ابن آدم إن أصابه حر قال حس ، وإن أصابه برد قال : حس» .

وروى الطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بصحفة تفور فأسرع يده فيها ، ثم رفع يده فقال : «إن الله عز وجل لم يطعمنا نارا» .

وروى أيضا في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه والديلمي في مسند الفردوس عن ابن عمر والحاكم وصححه عن جابر ، وعن أسماء ، ومسدد عن أبي يحيى ، وأبو نعيم في الحلية عن أنس رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «أبردوا بالطعام الحار ، فإن الطعام الحار لا بركة فيه» .

وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينفخ في الطعام ولا في الشراب .

العاشر : في أكله صلى الله عليه وسلم ماشيا .

روى الطبراني برجال الصحيح خلا ابن لهيعة وسنده حسن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطا لبعض الأنصار فجعل يأكل الرطب فيأكل وهو يمشي وأنا معه .

وروى الحارث بن أبي أسامة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل قائما وقاعدا وينصرف عن يمينه وشماله .

الحادي عشر : في كراهته صلى الله عليه وسلم أن يشم الطعام

- إن صح الخبر .

روى ابن عدي بسند ضعيف عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كره شم الطعام وقال : «إنما يشم السباع» .

الثاني عشر : في آلات أكله صلى الله عليه وسلم وأمره بتغطية الإناء وأكله على الأرض .

روى الإمام أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى [ ص: 169 ] عنه قال : ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ، ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق ، قال يونس فقلت لقتادة فعلام كان يأكل ؟ قال على هذه السفرة .

وروى البخاري في تاريخه وأبو الشيخ عن فرقد رضي الله تعالى عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكلت على مائدته .

وروى الحارث بن أبي أسامة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : أكل الضب على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وروى أبو الشيخ عن عبد الله بن بسر قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جفنة لها أربع حلق .

وروى النسائي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي إلى منزله ، فلما انتهينا أخرجوا لنا طبقا عليه فلق من خبز قال : «ما من أدم ؟ » قالوا : لا شيء غير خل ، قال : «نعم الأدم الخل» ، قال جابر رضي الله تعالى عنه : فما زلت أحبه منذ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وروى أبو داود عن عبد الله بن بسر قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال .

وروى الإمام أحمد والشيخان عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها قالت :

صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبي بكر سفرة- في بيت أبي بكر- حين أراد أن يهاجر إلى المدينة ، فلم نجد لسفرته ولا لسقايته ما نربطهما به ، فقلت لأبي بكر : والله ما أجد شيئا أربط به إلا نطاقي ، قال : شقيه باثنين فاربطي بواحد السقاء ، وبواحد السفرة ، ففعلت ذلك ، فلذلك سميت ذات النطاقين .

وروى أبو داود عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من شعب في الجبل وقد قضى حاجته وبين أيدينا تمر على ترس أو حجفة فدعوناه فأكل معنا ولم يمس ماء .

وروى البزار بسند فيه عبد الله بن زيد وأبي عبيد البصري ومجاعة البصري بنحو رجالهم ، وبقية رجاله ثقات عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا جاء إلى [ ص: 170 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ضعه بالحضيض أو بالأرض .

وروى بسند ضعيف عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل على الأرض ويقول : أنا عبد آكل كما يأكل العبد .

وروى أبو يعلى برجال ثقات عن جابر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما أن رجلا يقال له أبو حميد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء فيه لبن من النقيع نهارا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هلا خمرته ؟ ولو أن تعرض عليه بعود» .

الثالث عشر : في تسميته صلى الله عليه وسلم عند إرادة الأكل وأمره بها ، وقبضه يد من لم يسم عند الأكل .

وروى الإمام أحمد عن رجل خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرب إليه طعامه قال : «باسم الله» .

وروى أبو الحسن بن الضحاك من طريق ميسرة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأكل طعاما ، يسمي عند ثلاث لقم ، عند كل لقمة مرة ، ثم يمضي فيه حتى يأتي عليه .

وروى الإمام أحمد وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أما إنه لو سمى لكفاكم ، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله ، فإن نسي أن يذكر اسم الله فليقل :

باسم الله أوله وآخره» .


وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي رمثة وحبشي بن حرب رضي الله تعالى عنه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع ، قال : «لعلكم تتفرقون» ، قالوا : نعم ، قال : «اجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله تبارك وتعالى يبارك لكم فيه» .

وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال : كنا إذا [ ص: 171 ] حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما لم يضع أحد منا يده حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده ، ولقد حضرنا معه مرة طعاما فجاءت جارية كأنها تدفع فذهبت لتضع يدها في الطعام ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدها ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فذهب ليضع يده في الطعام فأخذ بيده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الشيطان يستحل الطعام الذي لا يذكر اسم الله عليه ، وإنه جاء بهذه يستحل بها ، فأخذت بيدها ، فجاء هذا الأعرابي يستحل به فأخذت بيده ، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع أيديهما» .

التالي السابق


الخدمات العلمية