سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الباب الرابع في آدابه صلى الله عليه وسلم في شربه ،

وفيه أنواع :

النوع الأول : في اختياره الماء البائت ، وإرادته الكرع بفيه صلى الله عليه وسلم .

روى البخاري والإمام أحمد وأبو داود والبرقاني عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطا من الأنصار ، ومعه رجل من أصحابه ، وهو يحول الماء في حائطه فقال : «إن كان عندك ماء بات وإلا كرعنا» ، قال : عندي ماء بات في شن فانطلق إلى العريش فصب منه في قدح ، وحلب عليه داجنا- يعني شاة- فسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم عاد إلى العريش ، ففعل مثل ذلك فسقى صاحبه .

النوع الثاني : في أحب الشراب إليه صلى الله عليه وسلم .

روى مسدد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الشراب أحب إليك ؟ قال : «الحلو البارد» .

وروى الإمام أحمد برجال الصحيح- ولم يسم التابعي- عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم قالا : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الشراب أطيب ؟ قال : «الحلو البارد» .

وروي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : كان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء في شجاب أو على جمارة من جريد .

النوع الثالث : في مناولته الإناء من عن يمينه .

روى البخاري وأبو الحسن بن الضحاك عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه حلبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة داجنا ، وهو في دار أنس بن مالك ثم شاب لبنها بماء من البئر التي في دار أنس ، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم يشرب منه ، وعلى يساره أبو بكر ، وعلى يمينه أعرابي ، فجاء عمر رضي الله تعالى عنه ، وخاف أن يعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعرابي ، فقال : «أعط أبا بكر يا رسول الله ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعرابي الذي على يمينه ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الأيمن فالأيمن» .

وروى الشيخان عنه أيضا قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في دارنا هذه فحلبنا له شاة ثم شبته [ ص: 239 ] من ماء بئرنا هذه ، فأعطيته ، وأبو بكر عن يساره ، وعمر تجاهه ، وأعرابي عن يمينه ، فلما فرغ قال عمر رضي الله تعالى عنه : هذا أبو بكر رضي الله تعالى عنه ، فأعطى الأعرابي ، وقال : الأيمنون الأيمنون ، قال أنس رضي الله تعالى عنه : فهي سنة .

وروى الحميدي ، ومحمد بن أبي عمر ، والإمام أحمد ، وابن سعد ، وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وخالد بن الوليد على ميمونة رضي الله تعالى عنها ، فجاءتنا بإناء من لبن ، وفي رواية قالت : ألا أسقيكم من لبن أهدته لنا أم عقيق ؟ كذا رواه ، والمحفوظ أم حميد أو حفيد ، قال : بلى فجيء بإناء من لبن ، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا عن يمينه ، وخالد عن شماله ،

فقال : «المشربة لك ، فإن شئت آثرت بها خالدا» ، فقلت : ما كنت لأوثر بسؤرك أحدا ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من أطعمه الله طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه ، وزدنا منه ، فإني لا أعلم شيئا يجزئ عن الطعام والشراب غيره»
.

وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد والطبراني بسند جيد عن محمد بن إسماعيل رحمه الله تعالى قال : قيل لعبد الله بن أبي حبيبة : ما أدركت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدنا بقباء ، وأنا غلام ، حتى جلست عن يمينه ، وجلس أبو بكر رضي الله تعالى عنه عن يساره ، ثم دعا بشراب فشرب منه ، ثم أعطانيه ، وأنا عن يمينه ، فشربت منه ، ثم قام فصلى فرأيته يصلي في نعليه .

النوع الرابع : في بدئه صلى الله عليه وسلم بالأكابر .

روى الطبراني برجال الصحيح وأبو يعلى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سقى قال : «ابدؤوا بالكبرى أو قال بالأكابر» .

وروى الطبراني بسند جيد إلا أبا عبد الملك علي بن زيد الأزدي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة في نفر الصحابة رضي الله تعالى عنهم إذ أتي بقدح فيه شراب ، فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة ، فقال أبو عبيدة : أنت أولى به يا نبي الله ، قال : خذ فأخذ أبو عبيدة القدح قال له قبل أن يشرب : خذ يا رسول الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اشرب ، فإن البركة مع أكابرنا ، فمن لم يرحم صغيرنا ، ويجل كبيرنا فليس منا» .

وروى ثابت بن قاسم عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال : جلس [ ص: 240 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم في سقيفته التي عند المسجد ، قال سهل بن سعد : فاستسقاني فقدمت له وطبة فشرب ، ثم قال : «كانت الأولى أطيب من الأخرى» فقلت يا رسول الله هما من شن واحد ، ثم نادى أبا بكر فشرب ، وعمر عن يمينه .

النوع الخامس : في أمره صلى الله عليه وسلم بالبداءة بمن انتهى إليه القدح .

روى الإمام أحمد برجال الصحيح- وفيه راو لم يسم- عن عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمت إليه عذق تمر نعلله به ، وطبخت له ، وسقيناهم ، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسقى الذي عن يمينه ، ثم أخذت القدح حين نفذ ما فيه فجئت بقدح آخر ، وكنت أنا الخاتم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أعط القدح الذي انتهى» .

النوع السادس : في شربه صلى الله عليه وسلم بعد أصحابه إذا سقاهم .

روى الإمام أحمد وأبو يعلى برجال ثقات عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال : أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عطش فنزلنا منزلا ، فأتي بإناء ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسقي أصحابه ، وجعلوا يقولون : اشرب ، فيقول صلى الله عليه وسلم : «ساقي القوم آخرهم شربا» حتى سقاهم كلهم .

وروى أبو الشيخ وابن حبان عن أنس رضي الله تعالى عنهم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسقي أصحابه ، قالوا : يا رسول الله لو شربت ، فقال : «ساقي القوم آخرهم» .

وروى أبو يعلى عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فبعث إليه امرأة مع ابن لها شاة ، فحلب ، ثم قال : «انطلق به إلى أمك» ، فشربت حتى رويت ، ثم جاء بشاة أخرى ، فحلب ثم سقى أبا بكر ، ثم جاءه بشاة أخرى ، فحلب ، ثم شرب .

النوع السابع : في شربه مصا وتنفسه ثلاثا .

وروى الطبراني عن بهز قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا ويشرب مصا ، ويتنفس ثلاثا ويقول : «هو أهنأ وأمرأ وأبرأ» .

وروى أيضا عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعب يشرب مرتين أو ثلاثا .

وروى أبو بكر الشافعي عن ربيعة بن أكثم رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا ، ويشرب مصا ، ويقول : هو أهنأ» . [ ص: 241 ]

وروى البغوي وابن القانع والطبراني في الكبير ، وابن السني وأبو نعيم في الطب عن بهز والبيهقي عن ربيعة بن أكثم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا ويشرب مصا ، ويتنفس ثلاثا ، ويقول : «هو أهنأ وأمرأ وأبرأ» .

وروى الشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتنفس إذا شرب ثلاثا ، زاد الترمذي ومسلم : ويقول : «إنه أروى وأمرأ» .

وروى عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب يوما ، فشرب في ثلاثة أنفاس ، فقلت : يا رسول الله تشرب الماء في ثلاثة أنفاس ؟ فقال :

«هو أشفى وأمرأ وأبرأ»
.

وروى البزار ، والطبراني ، وأبو الحسن بن الضحاك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شرب تنفس في الإناء ثلاثا ، يحمد الله تعالى في كل نفس ، ويشكره عند آخرهن .

وروى ابن عدي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب جرعة ، ثم قطع ، ثم سمى ، ثم سمى ، ثم جرع ، ثم قطع ، ثم سمى ، الثالثة : ثم جرع ، ثم مضى فيه حتى فرغ منه ، فلما شرب حمد الله تعالى عليه .

وروى أيضا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب شرابا قط إلا تنفس فيه ثلاثا ، كلها يقول : «باسم الله والحمد لله» .

وروى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتنفس في طعام ولا شراب ، ولا يتنفس في الإناء .

وروى البزار برجال ثقات عن عمر رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الإناء ثلاثا .

وروى الطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وعن نوفل بن معاوية الديلمي ، والطبراني والبزار عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب بثلاثة أنفاس ، يسمي الله تعالى في أولها إذا أدنى الإناء من فيه ، ويحمده في آخرها إذا أخره .

النوع الثامن : في مضمضته إذا شرب اللبن .

روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب لبنا فدعا بماء فمضمض ، فقال : «إن له دسما» . [ ص: 242 ]

وروى البخاري وابن ماجه والبرقاني في صحيحه عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلب شاة ، وشرب من لبنها ، ودعا بماء فمضمض فاه ، وقال : «إن له دسما» .

النوع التاسع : في شربه صلى الله عليه وسلم ولم يتمضمض .

روى أبو الحسن بن الضحاك بسند فيه ضعف عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب ولم يتمضمض ، ولم يتوضأ .

النوع العاشر : في شربه صلى الله عليه وسلم من الإناء .

روى الطبراني برجال ثقات غير يحيى بن مطيع بنحو رجاله عن جرير رضي الله تعالى عنه روى : دخل عيينة بن حصن رضي الله تعالى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده رجل فاستسقى ، فأتي بماء فستره فشرب فقال : ما هذا قال : «الحياء والإيمان إن منحتموها أو منعتموها» .

النوع الحادي عشر : في أمره صلى الله عليه وسلم بتخمير الإناء .

روى أبو يعلى برجال عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا يقال له أبو حميد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء فيه لبن من النقيع نهارا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «ألا خمرته ولو أن تعرض عليه بعود» .

النوع الثاني عشر : في كراهته صلى الله عليه وسلم أن ينفخ في شرابه .

روى الطبراني برجال ثقات إلا صالح مولى التوأمة فإنه اختلف عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كره أن ينفخ في شرابه .

التالي السابق


الخدمات العلمية