سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الباب الثامن في استدانته -صلى الله عليه وسلم- برهن وبغيره ، وحسن وفائه

وروى إسحاق وابن أبي شيبة والطبراني والبزار عن أبي رافع -رضي الله عنه- قال : نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف ، فبعثني إلى يهودي ، فقال : قل له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بعني أو أسلفني إلى رجب ، فأتيته ، فقلت له ذلك ، فقال : والله ، لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال : والله ، لو باعني أو أسلفني إني لأمين في السماء ، أمين في الأرض ، اذهب بدرع الحديد إليه ، قال : فنزلت هذه الآية فيه؛ تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا .

وروى الطبراني برجال الصحيح عن أبي حميد الساعدي -رضي الله تعالى عنه- قال استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل تمر لون ، فلما جاء يتقاضاه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس عندنا اليوم من شيء ، فلو تأخرت عنا حتى يأتينا شيء ، فنقضيك ، فقال الرجل : واغدراه! فقام له عمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «دعه يا عمر؛ فإن لصاحب الحق مقالا» ، انطلق إلى خولة بنت حكيم الأنصارية ، فالتمسوا عندها تمرا ، فانطلقوا ، فقالت : يا رسول الله ، ما عندنا إلا تمر الذخيرة ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : خذوا فاقضوا ، فلما قضوه ، أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : استوفيت ؟ قال : نعم ، أوفيت وأطيبت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن خيار عباد الله من هذه الأمة الموفون الطيبون» .

وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلف منه حين غزا حنينا ثلاثين ألفا أو أربعين ألفا . وفي لفظ أحمد : ثمانين ألفا ، أو أربعين ألفا ، فلما قدم قضاها إياه ، ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بارك الله في أهلك ومالك ، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد .

ورواه ابن أبي عمر ، وابن أبي شيبة ، عن إسماعيل بن إبراهيم ، عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلف . . فذكره .

وروى الإمامان الشافعي وأحمد والشيخان والأربعة إلا أبا داود ، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال : كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم دينار ، وفي لفظ : سن من الإبل ، فجاءه يتعاطاه ، فأغلظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى هم به ، وفي لفظ : فهم به بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالا ، فأعطوه ، فطلبوا سنا فلم يجدوا إلا سنا فوقها» وفي لفظ : «خيرا [ ص: 21 ] منها» قال : فاشتروه فأعطوه فإن من خياركم أحسنكم قضاء ، وفي لفظ : «فأمر له بأفضل من سنه ، فقال : أوفيتني أوفاك الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن خياركم أحسنكم قضاء» .

وروى البخاري وأبو جعفر عن جرير ، وأحمد وأبو داود عن جابر -رضي الله تعالى عنه- قال : كان لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين فقضاني وزادني .

وروى البزار عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه وقد استسلف منه شطر وسق فأعطاه وسقا ، فقال : نصف وسق لك ، ونصف وسق لك منا .

وروى البزار برجال ثقات عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال : استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل أربعين صاعا فاحتاج الأنصاري فأتاه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما جاءنا شيء» فقال الرجل : وأراد أن يتكلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تقل إلا خيرا ، فأنا خير من تسلف» فأعطاه أربعين وأربعين لسلفه ، فأعطاه ثمانين .

وروى ابن ماجه عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال : جاء رجل يطلب نبي الله صلى الله عليه وسلم بدين أو بحق فتكلم ببعض الكلام ، فهم به بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن صاحب الدين له سلطان على صاحبه حتى يقضيه» .


وروى الإمام أحمد وأبو يعلى عن أنس -رضي الله تعالى عنه- قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حليق النصراني ليبعث له أثوابا إلى الميسرة ، فأتيته ، فقال : ما الميسرة ؟ والله ما لمحمد ثاغية ولا داعية ، فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «كذب عدو الله ، أنا خير من باع ، لأن يلبس أحدكم من رقاع شتى خير له من أن يأخذ بأمانته ما ليس عنده» .

وروى الطبراني عن خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطلب -رضي الله تعالى عنهما- قالت كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسق من تمر لرجل من بني ساعدة فأتاه يقتضيه ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأنصار أن يقتضيه ، فقضاه إياه تمرا دون تمره ، فأبى أن يقبله ، فقال : أترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال ، نعم ، ومن أحق بالعدل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاكتحلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدموعه ، ثم قال : صدق ، من أحق بالعدل مني ، لا قدس الله أمة لا يأخذ [ ص: 22 ] ضعيفها حقه من قويها ، ولا يتعتعه . يا خولة عديه وأذهبيه واقضيه .

وروى الإمام مالك عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : استلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل بكرا ، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة ، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقضي الرجل بكرا ، فقلت : لم أجد في الإبل إلا جملا خيارا رباعيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أعطه إياه ، فإن خيار الناس أحسنهم قضاء» .

وروى الطبراني برجال الصحيح عن عبد الله بن أبي سفيان -رضي الله تعالى عنه- قال : جاء رجل يهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقاضاه تمرا فأغلظ للرسول صلى الله عليه وسلم ، فهم به أصحابه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما قدس الله ، أو ما يرحم الله أمة لا يأخذون للضعيف منهم حقه غير متعتع» ثم أرسل إلى خولة بنت حكيم ، فاستقرضها تمرا ، فقضاه ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كذلك يفعل عباد الله الموفون ، أما إنه قد كان عنده تمر لكنه كان خيرا» .

وروى النسائي وابن ماجه عن العرباض بن سارية -رضي الله تعالى عنه- قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أعرابي : اقضني بكري ، فأعطاه بعيرا مسنا ، فقال الأعرابي : يا رسول الله ، هذا أسن من بعيري ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خير الناس خيرهم قضاء» .

التالي السابق


الخدمات العلمية