سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
تنبيه :

الأول : أعلم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن الحدود كفارات ، وأن تبعا مسلم ، كما روى الإمام أحمد والبخاري والدارقطني عن خزيمة بن ثابت مرفوعا بإسناد حسن ، وروى أحمد والطبراني بسند حسن عن سهل بن سعد مرفوعا : «لا تسبوا تبعا؛ فإنه قد أسلم» .

الثاني : في تعقيبه صلى الله عليه وسلم الفطر إلى من سأل عن شيء أعجبه

وروى الإمام أحمد والطبراني برجال ثقات عن أبي ثعلبة الخشني -رضي الله تعالى عنه- قال : قلت : يا رسول الله ، أخبرني بما يحل لي ، وما يحرم علي ، قال : فصعد المنبر ، وأخذ يصوب في النظر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البر ما سكنت إليه النفس ، واطمأن إليه القلب ، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ، ولم يطمئن إليه القلب ، وإن أفتاك المفتون .

الثالث : في طرحه صلى الله عليه وسلم المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم

وروى البخاري عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي بجمار ، فقال : إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ، وإنها -وفي لفظ : وهي- مثل المسلم ، حدثوني ما هي ؟ فوقع الناس في شجر البوادي ، وفي لفظ : البادية ، قال عبد الله : فوقع في نفسي أنها النخلة ، فاستحييت ، فقالوا : يا رسول الله أخبرنا ، وفي لفظ : حدثنا ما هي يا رسول الله ؟ قال : «هي النخلة» ، قال عبد الله : فحدثت أبي بما وقع في نفسي ، فقال : لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا .

الرابع : في تخوله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الموعظة والعلم كي لا ينفروا

وروى البخاري عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا .

الخامس : في فتياه صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الدابة وغيرها

وروى البخاري عن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه ، فجاءه رجل ، فقال : لم أشعر ، فحلقت قبل أن أذبح ؟ فقال : اذبح ولا حرج ، فجاء آخر فقال : لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي ؟ فقال ارم ولا حرج ، فما [ ص: 136 ] سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال : افعل ولا حرج .

السادس : في إجابته صلى الله عليه وسلم بإشارة اليد والرأس

عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل في حجة الوداع ، فقال : ذبحت قبل أن أرمي فأومأ بيده ، وقال : لا حرج ، وقال : حلقت قبل أن أذبح وأومأ بيده ولا حرج .

وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «يقبض العلم ، ويظهر الجهل والفتن ، ويكثر الهرج» ، قيل : يا رسول الله ، وما الهرج ، فقال بيده فحرفها ، كأنه يريد القتل . رواهما البخاري .

السابع : في ترجيعه صلى الله عليه وسلم بمن قعد عليه يطلب الخير

وروى البخاري عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن وفد قيس أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من الوفد أو من القوم ربيعة ؟ فقال : مرحبا بالوفد أو بالقوم غير خزايا ولا ندامى . الحديث . وتقدم بتمامه في وفودهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوفود .

الثامن : في غضبه صلى الله عليه وسلم في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكرهه

روى البخاري عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- قال : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان ، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة أشد غضبا منه يومئذ ، فقال : أيها الناس ، إنكم منفرون وفي رواية : «إن منكم منفرين» فمن صلى بالناس فليخفف؛ فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة .

وعن زيد بن خالد الجهني -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن اللقطة ، فقال : اعرف وكاها أو قال وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة ، ثم استمتع بها ، فإن جاء ربها فأدها إليه . قال : فضالة الإبل ؟ فغضب حتى احمرت وجنتاه ، أو قال : احمر وجهه ، فقال : ما لك ولها ، وفي لفظ : فما لك ولها ، معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وترعى الشجر ، فذرها حتى يلقاها ربها . قال : فضالة الغنم ؟ قال : لك ولأخيك أو للذئب .

وعن أبي موسى -رضي الله تعالى عنه- قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرهها ، فلما أكثروا عليه غضب ، ثم قال للناس : سلوني عما شئتم ، قال رجل : من أبي ؟ قال : أبوك حذافة ، فقام آخر فقال : من أبي يا رسول الله ؟ فقال : أبوك سالم مولى شيبة . فلما رأى عمر ما في وجهه برك على ركبته ، وقال : رضينا بالله ربا [ ص: 137 ] وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ، يا رسول الله ، إنا نتوب إلى الله- عز وجل- فسكت . رواه البخاري .

وروى مسدد وإسحاق وابن أبي شيبة عن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- قال : قلت : يا نبي الله ، أخبرني عن ليلة القدر أفي رمضان أم في غير رمضان ؟ قال : بل هي في رمضان ، قلت : تكون مع الأنبياء إذا كانوا ، فإذا قبضوا رفعت ، قال : بل هي إلى يوم القيامة ، قلت : في أي رمضان ؟ قال : التمسوها في العشر الأوسط والعشر الأواخر ، ولا تسألوني عن شيء بعدها ، ثم حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث ، ثم اهتبلت غفلته فقلت : يا رسول الله ، أقسمت بحقي عليك لما أخبرتني في أي عشر هي ، فغضب غضبا ما رأيته غضب مثله ، فقال : التمسوها في السبع الأواخر الباقين ، ولا تسألني عن شيء بعدها .

التاسع : في إعادته صلى الله عليه وسلم الحديث ثلاثا ليفهم عنه .

عن أنس -رضي الله تعالى عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا ، حتى نفهم عنه ، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم يسلم عليهم ثلاثا .

وعن عبد الله بن عمرو قال : تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا ، وقد أرهفتنا الصلاة ، صلاة العصر ، ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته : ويل للأعقاب من النار ، مرتين أو ثلاثا . رواه البخاري .

العاشر : في جعله صلى الله عليه وسلم يوما للنساء على حقه في العلم

عن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال : قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم : غلبنا عليك الرجال ، فاجعل لنا يوما من نفسك ، فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن ، فكان فيما قال لهن : ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار ، فقالت امرأة : أو اثنين ؟ فقال : واثنين . وفي لفظة : أو ثلاثة لم يبلغوا الحنث . رواه البخاري .

[ ص: 138 ] الحادي عشر : في تخصيصه صلى الله عليه وسلم بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا

عن أنس -رضي الله تعالى عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل فقال : يا معاذ بن جبل ، قال : لبيك يا رسول الله وسعديك ، قال : يا معاذ ، قال : لبيك وسعديك ثلاثا ، قال : ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار ، قال : يا رسول الله ، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا ؟ قال : إذن يتكلوا ، وأخبر بها عند موته تأثما .

وفي لفظ : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ : من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة ، قال : ألا أبشر الناس ؟ قال ، لا؛ إني أخاف أن يتكلوا . رواه البخاري .

الثاني عشر : في إجابته صلى الله عليه وسلم السائل بأكثر مما سأله

عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم ؟ فقال : لا يلبس القميص ، ولا العمامة ولا السراويل والبرنس ، ولا ثوبا مسه الورس أو الزعفران ، فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين ، وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين . رواه البخاري .

الثالث عشر : في أخذه صلى الله عليه وسلم بيده بعض من سأله

روى الحارث وابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي قتادة وأبي الدهماء ، قالا : أتينا على رجل من أهل البادية ، فقال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ، فجعل يعلمني مما علمه الله ، فكان مما حفظت أن قال : لا تدع شيئا اتقاء الله إلا أبدلك الله خيرا منه .

الرابع عشر : في قعوده لاستماع قاص يقص عليه

روى الإمام أحمد وأبو يعلى عن أبي أمامة -رضي الله تعالى عنه- قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على جماعة لهم قاص يقص ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : قص ، ثم قال : لأن أقعد هذا المقعد غدوة حتى تشرق الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب .

الخامس عشر : في اتخاذه صلى الله عليه وسلم ممليا ليعبر عنه

روى مسدد برجال ثقات عن هلال بن عامر المزني ، عن أبيه- رضي الله تعالى عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يخطب على بغلة وعليه برد أحمر ، وعلي -رضي الله تعالى عنه- أمامه [ ص: 139 ] يعبر عنه ما يقول ، فجئت حتى دخلت بين شراك النبي صلى الله عليه وسلم وقدمه ، فجعلت أعجب من بردها .

روى أحمد وأبو داود مختصرا والطبراني برجال ثقات عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال : لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف ، فقام تحت يدي ناقته ، وكان رجلا صيتا ، فقال : اصرخ ، أيها الناس ، أتدرون : أي شهر هذا ؟ فصرخ ، فقال الناس : الشهر الحرام ، فقال : اصرخ ، أي بلد هذا ؟ قالوا : البلد الحرام ، قال : اصرخ ، أي يوم هذا ؟ قالوا : الحج الأكبر ، فقال : اصرخ ، فقل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة شهركم هذا ، وكحرمة بلدكم هذا . الحديث .

السادس عشر : في إجابته صلى الله عليه وسلم الأول من السائلين

روى سعيد بن منصور وابن حبان عن ابن عمر وأبو الوليد الأزرقي ، عن أنس -رضي الله تعالى عنه- أن رجلا من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، كلمات أسأل عنهن قال : اجلس ، وجاء آخر من ثقيف فقال : يا رسول الله ، كلمات أسأل عنهن ، فقال صلى الله عليه وسلم : «سبقك الأنصاري» ، فقال الأنصاري : إنه رجل غريب ، وإن للغريب حقا ، فابدأ به ، فأقبل على الثقفي فقال : إن شئت أنبأتك عما كنت تسألني ، وإن شئت تسألني وأخبرك ، فقال : يا رسول الله ، أجبني عما كنت أسألك ، قال : جئت تسألني عن الركوع والسجود والصلاة والصوم ، فقال : لا ، والذي بعثك بالحق ، ما أخطأت مما كان في نفسي شيئا . فذكر الحديث ، ويأتي بطوله في المعجزات .

السابع عشر : في إدنائه السائل إليه صلى الله عليه وسلم

وروى أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال جاء شاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله ، علمني دعاء أصيب به خيرا ، قال : ادنه ، فدنا حتى كادت ركبته تمس ركبة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : قل : اللهم اعف عني فإنك عفو تحب العفو ، وأنت عفو كريم .

التالي السابق


الخدمات العلمية