سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الحادي عشر : في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالقرآن .

روى الإمام أحمد عن عبد الله بن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال : انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أهراق الماء فقلت : السلام عليك يا رسول الله فلم يرد علي ، فقلت : السلام عليك يا رسول الله ، فلم يرد علي ، فقلت : السلام عليك يا رسول الله ، فلم يرد علي فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأنا خلفه حتى دخل على رحله ، ودخلت أنا المسجد ، وجلست كئيبا حزينا ، فخرج علي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تطهر فقال : «عليك السلام ورحمة الله وبركاته ، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته» ، ثم قال : ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بخير سورة في القرآن ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، قال : «اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها» .

وروى الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه- قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا ، وهم ذوو عدد ، فاستقرأهم فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن ، فأتى على رجل منهم من أحدثهم سنا ، فقال : ما معك يا فلان ؟ قال : معي كذا وكذا وسورة البقرة قال : أمعك سورة البقرة ؟ قال : نعم ، قال : اذهب فأنت أميرهم ، فقال رجل من أشرافهم : والله يا رسول الله ، ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا خشية ألا أقوم بها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تعلموا القرآن ، فاقرأوه وأقرئوه ، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح بريحه كل مكان ، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب وكئ على مسك .

وروى أبو داود عن واثلة بن الأسقع- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين فسأله إنسان : أي آية في القرآن أعظم ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم [البقرة : 255] .

وروى مسلم عن أبي بن كعب- رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا المنذر ، أتدري أي آية في كتاب الله تعالى معك أعظم ؟ قال : الله ورسوله أعلم ، قال : قلت : يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ قال : قلت : الله لا إله إلا هو الحي القيوم قال : فضرب صدري وقال : «والله ليهنك العلم أبا المنذر» .

وروى الترمذي ، وقال : حديث حسن وأبو داود عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه [ ص: 270 ]

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي سورة تبارك الذي بيده الملك .


وروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنه- قال : أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقرئني يا رسول الله ، فقال : «اقرأ ثلاثا من ذوات «الر» فقال : كبرت سني واشتد قلبي وغلظ لساني قال : «فاقرأ ثلاثا من ذوات حاميم» فقال مثل مقالته ، فقال «اقرأ ثلاثا من المسبحات» فقال مثل مقالته ، فقال الرجل : يا رسول الله ، أقرئني سورة جامعة ، فأقرأه النبي صلى الله عليه وسلم : إذا زلزلت الأرض زلزالها [الزلزلة : 1] حتى فرغ منها فقال الرجل : والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها أبدا ، ثم أدبر الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «أفلح الرويجل» مرتين .

وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا استمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد [الإخلاص : 1] ويرددها فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك وكان الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» .

وفي رواية عنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأصحابه أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة ؟ فشق ذلك عليهم ، وقالوا : أينا يطيق ذلك يا رسول الله ، فقال : «الله الواحد الصمد» ثلث القرآن

وفي رواية قل هو الله أحد [الإخلاص : 1] تعدل ثلث القرآن .

وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قل هو الله أحد إنها تعدل ثلث القرآن»

قوله : «تعدل ثلث القرآن» قال بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى إن القرآن ثلاثة أقسام : قسم توحيد لله تعالى ومعرفة صفاته ، وقسم قصص الماضي ، وقسم تشريع وأحكام ، ففيها التوحيد وليس فيها قصص ولا تشريع فصارت تعدل ثلث القرآن .

وروى ابن ماجه عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أحب هذه السورة «قل هو الله أحد» قال : «إن حبها أدخلك الجنة» ورواه البخاري تعليقا .

وروى النسائي عن عقبة بن عامر- رضي الله تعالى عنه- قال : اتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكب فوضعت يدي على قدمه ، وقلت : اقرأ سورة هود أو سورة يوسف ؟ فقال : لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله تعالى من قل أعوذ برب الفلق [الفلق : 1] و قل أعوذ برب الناس [الناس : 1]

وفي رواية قال : بينما أنا أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الجحفة والأبواء إذ غشينا ريح وظلمة شديدة ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ بـ قل أعوذ برب الفلق [الفلق : 1] و قل أعوذ برب الناس [الناس : 1] ويقول : يا عقبة ، تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلها .

وروى مسلم عن عقبة بن عامر- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ألم تر [ ص: 271 ]

آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط ؟
قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس .


وروى البيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا أخبركم بشرار هذه الأمة ؟ الثرثارون ، المتشدقون ، المتفيهقون ، أفلا أنبئكم بخيارهم ؟ أحاسنهم أخلاقا .

وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا أخبركم بخير البرية ؟ رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى ، ألا أخبركم بالذي يليه ؟ رجل في بلة من غم يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ، ألا أخبركم بشر البرية ؟ الذي يسأل بالله تعالى ، ولا يعطي به .

وروى الإمام أحمد وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة عن أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألا أخبركم بخياركم ؟ قالوا : بلى ، قال : فخياركم الذين ، إذا رؤوا ذكر الله تعالى ، ألا أخبركم بشراركم ، قالوا : بلى ، قال : «فشراركم المفسدون بين الأحبة المشاءون بالنميمة الباغون البرآء العنت» .

وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال : لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدرني ، فأخذ بيدي ، ثم قال «يا أبا أمامة ، إن من المؤمنين من يلين له قلبي» .

وروى الإمام أحمد عن الحسين- رحمه الله تعالى- عن شيخ أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر برجل يقرأ قل يا أيها الكافرون [الكافرون : 1] قال : أما هذا فقد برئ من الشرك ، قال : وإذا آخر يقرأ قل هو الله أحد [الإخلاص : 1] فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «وجبت له الجنة» .

وروى الرامهرمزي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما- أن رجلا قال : يا رسول الله ، أي الأعمال أفضل ؟ قال : عليك بالحال المرتحل قال : وما الحال المرتحل ؟ قال «صاحب القرآن ، يضرب من أوله حتى يبلغ آخره ويضرب في آخره حتى يبلغ أوله كلما حل ارتحل» .

وروى الشيخان عن البراء بن عازب- رضي الله تعالى عنه- قال : كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فغشيته سحابة ، فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال : «تلك السكينة تنزلت بالقرآن» .

وروى الإمام أحمد والبيهقي عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ ص: 272 ] إن لله- عز وجل- أهلين من الناس فقيل من أهل الله منهم ؟ قال : «أهل القرآن هم أهل الله تعالى وخاصته» .

وروى الإمام أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما- قال : قلت : يا رسول الله ، في كم أقرأ القرآن ؟ قال : «اختمه في شهر» ، قلت : إني أطيق أفضل من ذلك قال : «اختمه في عشرين» ، قلت : إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : «اختمه في خمسة عشر» قلت : إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : «اختمه في عشر» ، قلت : إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : «اختمه في خمس» ، قلت : إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : «فما رخص لي» .

وروى الشيخان عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- قال : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكدت أساوره في الصلاة ، فتصبرت حتى سلم ، فلببته بردائه ، فقلت : من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ ؟ قال : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : كذبت ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت ، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أرسله ، اقرأ يا هشام» ، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كذلك أنزلت» ، ثم قال : اقرأ يا عمر ، فقرأت للقراءة التي أقرأني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كذلك أنزلت ، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرؤوا ما تيسر منه» .

التالي السابق


الخدمات العلمية