سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الباب الثالث في أمره- صلى الله عليه وسلم- بعض أصحابه بهجاء المشركين

روى الإمام أحمد والشيخان عن البراء بن عازب- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم قريظة لحسان- رضي الله تعالى عنه- : اهج المشركين وفي لفظ : هاجهم وجبريل معك وفي لفظ : فإن روح القدس معك .

وروى ابن سعد عن جابر- رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يحمي أعراض المسلمين ؟ فقال عبد الله بن رواحة : أنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنك لا تحسن الشعر» ، فقال حسان بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- أنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اهجهم ، فإن روح القدس سيعينك» .

وروى ابن سعد عن ابن سيرين مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إذا نصر القوم بسلاحهم أنفسهم ، فألسنتهم أحق» فقام رجل فقال : يا رسول الله ، أنا ، فقال : لست هناك ، فجلس فقام آخر فقال : يا رسول الله أنا ، فقال بيده : يعني لا اجلس فقام حسان- رضي الله تعالى عنه- فقال : يا رسول الله ، ما يسرني به مقولا بين صنعاء وبصرى ، وإنك والله ، ما سببت قوما قط هو أشد عليهم من شيء يعرفونه فمر بي إلى من يعرف أيامهم وبيوتاتهم حتى أضع لساني فأمر به إلى أبي بكر- رضي الله تعالى عنه- .

وروى مسلم والبرقاني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد بأبي هريرة ، أنشدك الله ، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا حسان أجب عني ، اللهم ، أيده بروح القدس ؟ قال أبو هريرة- رضي الله تعالى عنه- : نعم .

وروى أبو الحسن بن الضحاك عن حسان- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إذا حارب أصحابي بالسلاح ، فحارب أنت بلسانك» .

وروى الإمام أحمد عن عمار بن ياسر- رضي الله تعالى عنه- قال : لما هجانا المشركون شكونا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «قولوا لهم كما يقولون لكم» قال : فلقد رأيتنا تعمله إماء أهل المدينة .

وروى أبو الحسن بن الضحاك ، وقال هذا غريب من حديث يسار من مسند حسان بن ثابت ورجاله ثقات ، والمحفوظ أنه من مسند البراء بن عازب- رضي الله تعالى عنهما- قال : سمعت حسان بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اهجهم ، أو هاجمهم يعني المشركين ، وجبريل- عليه السلام- معك» [ ص: 351 ]

وروى مسلم عن عائشة - رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «اهجوا قريشا ، فإنه أشد عليها من رشق النبل» فأرسل إلى ابن رواحة ، قال : اهجهم فهاجهم ، فلم يرض فأرسل إلى كعب بن مالك ، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت فلما دخل عليه حسان ، قال : قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه ، فجعل يحركه ، فقال : والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تعجل ، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم نسبا حتى يخلص لك نسبي» فأتاه حسان ، ثم رجع ، فقال : يا رسول الله ، قد محص لي نسبك ، والذي بعثك بالحق ، لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين ، قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها- فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت- رضي الله تعالى عنه- : «إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله» قالت : وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : هجاهم حسان فشفى وأشفى .

قال حسان- رضي الله تعالى عنه- :


هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء

وروى ابن وهب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن- رحمه الله تعالى- أن قريشا لما هجت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى ابن رواحة فذكر نحو ما تقدم وزاد ، فكان لا يحسن إلا في الحرب فهجاهم ، فلم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرسل إلى حسان ، وكان يكره أن يرسل إليه ، فما جاء الرسول ، قال : «أما والله لأفرينهم بلساني فري الأديم» فقالت عائشة : - رضي الله تعالى عنهما- فأخرج لسانه كأنه لسان حية على طرفه خال أسود ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كيف لي بهم» فقال : والذي نفسي بيده ، لأسلنك منهم سل الشعرة من العجين ، وذكر نحو ما تقدم .

وروى مسدد وابن أبي شيبة والنسائي في السنن الكبرى عن الأسود بن سريع- رضي الله تعالى عنه- أنه قال : يا رسول الله ، إني مدحت الله- عز وجل- مدحة ومدحتك بأخرى ، فقال : «هات وابدأ بمدحة الله عز وجل» .

وروى مسدد عن محمد بن علي- رحمه الله تعالى- أن رجلا مدح الله تعالى ، ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه لمدحه الله تعالى الذي خلقه ، ولم يعطه لمدحه نفسه ، والله تعالى أعلم [ ص: 352 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية