سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الباب الخامس في سيرته- صلى الله عليه وسلم- في الأطفال ومحبته لهم ومداعبته إياهم وسيرته في النساء غير نسائه

وفيه أنواع :

الأول : في سيرته صلى الله عليه وسلم في المولود .

روى الطبراني عن أبي رافع- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن والحسين حين ولدا وأمر به .

وروى الطبراني عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال : أما حسن وحسين ومحسن ، فإنما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعق عنهم ، وحلق رؤوسهم وتصدق بوزنها وأمر بهم فسروا وختنوا .

وروى الطبراني والبزار بسند جيد عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر برأس الحسن والحسين يوم سابعة أن يحلق ويتصدق بوزنه فضة وسبق لهذا مزيد بيان في باب سيرته صلى الله عليه وسلم في العقيقة .

الثاني : في سيرته صلى الله عليه وسلم في الأطفال .

روى البخاري في الأدب المفرد عن البراء- رضي الله تعالى عنه- قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي على عاتقه وهو يقول : «اللهم ، إني أحبه فأحبه» .

وروى أحمد بن منيع برجال ثقات عن الحسن بن علي أو الحسين بن علي قال حدثتنا امرأة من أهلي ، قالت : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا على ظهره يلاعب صبيا على صدره ، إذ بال فقامت لتأخذه فقال : دعوه ، الحديث . وروى ابن أبي شيبة عن أبي ليلى- رضي الله تعالى عنه- قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صدره أو بطنه الحسن ، والحسين فبال : فرأيت بوله أساريع فقمت إليه فقال : دعوا ابني ، فلا تفزعوه .

وعن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت : جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :

أتقبلون صبيانكم ؟ فقال : فما نقبلهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة»
.

وعن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن علي- رضي الله تعالى عنه- وعنده الأقرع بن حابس التيمي ، فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدا منهم فنظر إليه صلى الله عليه وسلم ثم قال : «إن من لا يرحم لا يرحم» . [ ص: 369 ]

وعنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيديه جميعا بكفي الحسن والحسين وقدماهما على قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «ارق ، فرقي الغلام» حتى وضع الغلام قدميه على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم افتح فاك ، ثم قبله ثم قال : «اللهم ، أحبه ، فإني أحبه» رواه البخاري في الأدب .

وروى الإمام أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن محمود بن الربيع- رضي الله تعالى عنه- قال : عقلت من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي من دلو ، وفي لفظ : «بئر» في دارنا وأنا ابن خمس سنين .

روى الطبراني عن موسى بن طلحة- رضي الله تعالى عنهما- قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وعلقمة معي ، فوجدناه يأكل تمرا في قناع ، ومعه ناس من أصحابه فقبض لنا من ذلك قبضة ، ومسح على رؤوسنا ، وروى الطبراني عن كثير بن العباس- رضي الله تعالى عنهما- قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمعنا أنا وعبد الله وعبيد الله فيفرج يديه هكذا يمد باعه ويقول : «من سبق إلي فله كذا وكذا» .

وروى الإمام أحمد بسند جيد عن عبد الله بن الحارث- رضي الله تعالى عنه- قال :

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف عبد الله وعبيد الله ، وكثير بن العباس ثم يقول «من سبق إلي فله كذا وكذا» فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره ، فيقبلهم ويلتزمهم .

وروى البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال : ما رأيت حسنا- رضي الله تعالى عنه- إلا فاضت عيناي دموعا ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما فوجدني في المسجد فأخذ بيدي ، فانطلقت معه فما كلمني حتى جئنا سوق بني قينقاع فطاف فيه ونظر ثم انصرف وأنا معه حتى جئنا المسجد فجلس فينا ، فقال : أين لكاع ، ادع لي لكاعا فجاء حسن يشتد ، فوقع في حجره ، ثم أدخل يده في لحيته ، ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح فاه فيدخل فاه في فيه ثم قال : «اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه» .

وروى البخاري عن أم خالد- رضي الله تعالى عنهما- قالت : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي وعلي قميص أصفر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سنه سنه . وهي بالحبشية : حسنة حسنة قالت :

فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني أبي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعها . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

«أبلي وأخلقي ، ثم أبلي وأخلقي»

قال عبد الله : فبقيت حتى ذكر .


وروى البخاري في الأدب عن يعلى بن مرة- رضي الله تعالى عنه- قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعينا إلى طعام فإذا بحسين يلعب في الطريق ، فأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام [ ص: 370 ]

القوم ثم بسط يديه ، فجعل يمره مرا ها هنا ، مرة ها هنا يضحكه حتى أخذه ، فجعل إحدى يديه في ذقنه ، والأخرى بين رأسه ثم اعتنقه فقبله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «حسين مني وأنا منه ، أحب الله من أحب الحسين ، والحسن والحسين سبطان من الأسباط»
.

وروى الطبراني بسند حسن عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال : كانت لي ذؤابة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدها ، ويأخذ منها .

وروى أبو يعلى بسند حسن عن أبي يحيى الكلاعي ، قال : أتيت المقدام بن معد يكرب في المسجد ، فقلت له : يا أبا كريمة ، إن الناس يزعمون أنك لم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

سبحان الله! لقد رأيته وإني لأمشي مع عم لي فأخذ بأذني هذه ، وقال لعمي : أترى هذا يذكر أمه وأباه ؟


الحديث .

وروى مسلم عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أنه كان يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمر بصبيان ، فيسلم عليهم .

وروى النسائي عنه أيضا قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار فيسلم على صبيانهم ، ويمسح رؤوسهم ، ويدعو لهم .

وروى الإمام أحمد وأبو داود عن الوليد بن عقبة قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم ، فيمسح على رؤوسهم ، ويدعو لهم .

وروى ابن مردويه عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب الناس على المنبر ، خرج حسين بن علي فوطئ في ثوب كان عليه فسقط ، فبكى فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر ، فلما رآه الناس سعوا إلى الحسين يتعاطونه بعطية بعضهم بعضا ، حتى وقع في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «قاتل الله الشيطان ، إن الولد لفتنة ، والذي نفسي بيده ، ما دريت أني نزلت عن منبري» .

وروى ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير مرسلا قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاء حسن أو حسين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «الولد فتنة ، لقد قمت إليه ، وما أعقل» .

الثالث : في سيرته صلى الله عليه وسلم مع النساء غير زوجاته .

روى الترمذي عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في المسجد وعصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتسليم ، وأشار عبد الحميد بيده .

وروى الحميدي عنها قالت : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في نسوة ، فسلم علينا .

وروى ابن أبي شيبة ومسلم والبرقاني عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن امرأة أتت [ ص: 371 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم في عقلها شيء فقالت : إن لي إليك حاجة ، فقال : يا أم فلان ، انظري أي الطريق شئت قومي فيه ، حتى أقوم معك فقام معها ، فناجاها حتى قضى حاجتها


وروى البخاري عنه أيضا قال : إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت .

وروي عن عبد الله بن أبي أوفى- رضي الله تعالى عنه- قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين في قضاء الحاجة .

وروى عبد بن حميد عن عدي بن حاتم- رضي الله تعالى عنه- قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد ، فقال القوم : هذا عدي بن حاتم ، وجب بغير أمان ولا كتاب ، فلما دفعت إليه أخذ بيدي ، وقد كنت قبل ذلك لا أرجو أن يجعل الله تعالى يده في يدي ، قال : فقام إلى بيته فلقيته امرأة وصبي معها ، فقالا : إن بنا إليك حاجة فقام معها ، حتى قضى حاجتها .

وروى النسائي عن أبي موسى- رضي الله تعالى عنه- قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وامرأة بين يديه ، فقلت : الطريق للنبي صلى الله عليه وسلم قالت : الطريق معترض إن شاء أخذ يمينا ، وإن شاء أخذ شمالا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «دعها فإنها جبارة»

انتهى ، والله سبحانه وتعالى أعلم . [ ص: 372 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية