سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم في إحياء الموتى وإبراء المرضى

الباب الأول في معجزاته صلى الله عليه وسلم في إحياء الموتى وسماع كلامهم

روى ابن أبي الدنيا وأبو نعيم والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال : كنا في الصفة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتته عجوز عمياء مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياما ثم قبض فغمضه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بجهازه ، فلما أردنا أن نغسله ، قال : «يا أنس ، ائت أمه فأعلمها» ، قال : فأعلمتها فجاءت حتى جلست عند قدميه ، فأخذت بهما ، ثم قالت : اللهم ، إني أسلمت لك طوعا وخلعت الأوثان زهدا وهاجرت إليك رغبة ، اللهم لا تشمت بي عبدة الأوثان ، ولا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها ، قال : فو الله ما انقضى كلامها حتى حرك قدميه وألقى الثوب عن وجهه ، وطعم وطعمنا معه ، وعاش حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم حتى هلكت أمه

وفي لفظ عند البيهقي ، قال : عدنا شابا من الأنصار وعنده أم له عجوز ، فما برحنا أن فاض يعني مات ومددنا على وجهه الثوب ، وقلنا لأمه : يا هذه ، احتسبي مصابك عند الله ، قالت : أمات ابني ؟ قلنا : نعم ، قالت : اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك ، وإلى نبيك رجاء أن تعينني عند كل شدة ، فلا تحمل علي هذه المصيبة اليوم ، قال أنس : فو الله ، ما برحت حتى كشف الثوب عن وجهه وطعم وطعمنا معه .

وروى أبو نعيم ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حماد ثنا أبو برة محمد بن أبي هاشم مولى بني هاشم ثنا أبو كعب البداح بن سهل الأنصاري عن أبيه ثنا عن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن كعب عن أبيه كعب بن مالك قال : أتى جابر بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى وجهه متغيرا فرجع إلى امرأته ، فقال : قد رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم متغيرا وما أحسبه إلا متغيرا من الجوع ، فذكر الحديث السابق في باب تكثيره صلى الله عليه وسلم الأطعمة وزاد فقال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «كلوا ولا تكسروا عظما» ثم جمع العظام في وسط الجفنة فوضع يده عليها ثم تكلم بكلام لم أسمعه فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها ، فقال : «خذ شاتك يا جابر بارك الله لك» ، قال : فأخذتها ومضيت ، وإنها لتنازعني أذنها حتى أتيت المنزل فقالت المرأة : ما هذا يا جابر ، فقلت : والله ، هذه شاتنا التي ذبحناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الله تعالى فأحياها لنا ، فقالت : أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ ص: 15 ]

ورواه الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن محمد بن المنذر والمعروف بشكر في كتاب العجائب والغرائب

فقال : [ . . . ] .

وروى أبو نعيم عن ضمرة قال : كان لرجل غنم وكان له ابن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بقدح من لبن إذا حلب ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم افتقده فجاء أبوه ، فأخبره أن ابنه هلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «أتريد أن أدعو الله تعالى أن ينشره لك أو تصبر ، فيؤخره لك إلى يوم القيامة فيأتيك فيأخذ بيدك فينطلق بك إلى الجنة ، فتدخل من أي أبواب الجنة شئت ؟ » فقال الرجل : من لي بذلك يا رسول الله ؟ قال : «هو لك ولكل مؤمن» .

وروى البيهقي وصححه عن إسماعيل بن خالد عن أبي سبرة النخعي قال : أقبل رجل من اليمن ، فلما كان ببعض الطريق نفق حماره فقام وتوضأ وصلى ركعتين ، ثم قال : اللهم إني جئت مجاهدا في سبيلك ، وابتغاء مرضاتك ، وأنا أشهد أنك تحيي الموتى ، وتبعث من في القبور لا تجعل لأحد علي اليوم منة ، أطلب إليك أن تبعث حماري ، فقام الحمار ينفض أذنيه .

قال البيهقي : ومثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة حيث يكون في أمته ، ثم رواه هو وابن أبي الدنيا من وجه آخر عن إسماعيل بن خالد عن الشعبي مثله .

زاد الشعبي : أنا رأيت الحمار يباع في الكناسة ، قال البيهقي : فكان إسماعيل بن أبي خالد سمعه منهما ثم رواه هو وابن أبي الدنيا أيضا عن مسلم بن عبد الله بن شريك بن النخعي قال : خرج ابن يزيد رجل من النخع في زمن عمر بن الخطاب غازيا فذكر نحوه ، وزاد فقال رجل من رهطه أبياتا منها :


ومنا الذي أحيا الإله حماره وقد مات منه كل عضو ومفصل

وروى الشيخان والبيهقي وأبو نعيم عن أبي هريرة ، والشيخان عن أنس ، والإمام أحمد وابن سعد وأبو نعيم عن ابن عباس ، والدارمي والبيهقي عن جابر بن عبد الله ، والبيهقي بسند صحيح عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، والطبراني عن كعب بن مالك ، ، وابن سعد عن أبي سلمة والبزار وأبو نعيم والحاكم عن أبي سعيد الخدري أن خيبر لما فتحت أهدت يهودية للنبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية فأخذ الذراع فلما بسط القوم أيديهم قال : «كفوا أيديكم ، فإن عضوها يخبرني أنها مسمومة» ودعا اليهودية ، فقال : «أسممت هذه الشاة ؟ » قالت : من أخبرك ؟

قال : «هذا العظم لساقها وهو في يده» ، قالت : نعم ، قال : «فما حملك على هذا ؟ » قالت : قلت :

إن كان نبيا ، فلا يضره ، وإن الله سيطلعه عليه ، وإن لم يكن نبيا استرحنا منه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما كان الله ليسلطك علي» فعفا عنها ولم يعاقبها
. [ ص: 16 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية