سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الباب الثاني فيما اختص به عن الأنبياء -صلى الله عليه وسلم- عليهم في شرعه وأمته وفيه مسائل

الأولى : اختص -صلى الله عليه وسلم- بإحلال الغنائم .

الثانية : وبجعل الأرض كلها مسجدا ولم تكن الأمم تصلي إلا في البيع والكنائس .

الثالثة : وبالتراب طهورا وهو التيمم .

روى الشيخان عن جابر -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد بعدي" الحديث .

وروى مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "فضلت على الناس بست : أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا" .

وروى الطبراني عن أبي الدرداء أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : "فضلت أنا وأمتي في الصلاة تصف كما تصف الملائكة ، وجعل الصعيد لي وضوءا ، وجعلت لي الأرض مسجدا ، وأحلت لي الغنائم" .

وروى البخاري في "التاريخ" والبزار والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "كان الأنبياء يقربون الخمس ، فتجيء النار فتأكله وأمرت أنا أن أقسمه في فقراء أمتي" .

قال الخطابي : كان من تقدم على ضربين : من لم يؤذن له في الجهاد ، فلم تكن له غنائم ، ومنهم من أذن له فيها ، لكن كانوا إذا غنموا أشياء لم تحل لهم أن يأكلوه وجاءت نار فأحرقته كما في الصحيح عن أبي هريرة : "غزا نبي من الأنبياء" فذكر القصة إلى أن قال : فجمع الغنائم فجاءت- يعني النار- فلم تطعمها . وعند أحمد ومسلم "فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار . زاد في رواية سعيد بن المسيب -رضي الله عنه- فكانوا إذا غنموا غنيمة بعث الله النار فأكلتها فذكر القصة ، وقد تقدمت بكمالها في أواخر شرح قصة المعراج ، وفي المعجزات في رد الشمس وفيها : "أحل الله لنا الغنائم ، رأى ضعفنا وعجزنا ، فأحلها لنا انتهى فكان من قبلنا يغزون ويأخذون أموال أعدائهم وأسلابهم لكن لا يتصرفون فيها بل يجمعونها وعلامة قبول ذلك أن تنزل النار فتأكلها ، وعلامة عدم القبول أن لا تنزل . [ ص: 344 ]

قوله : "مسجدا" يعني موضع سجوده ، وهو وضع الجبهة على الأرض ، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره ، ويحتمل أن يكون مجازا عن المكان المبني للصلاة ، وهو من مجاز القرآن ، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد ، قال الخطابي والقاضي : من كان قبل نبينا -صلى الله عليه وسلم- من الأنبياء إنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع ، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد ، بلفظ : "وكان مما قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم" وهذا نص في موضع النزاع ، فثبتت الخصوصية ، ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس -رضي الله عنه- نحو حديث جابر وفيه : "ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه" .

الرابعة : وبالوضوء في أحد القولين ، وهو الأصح ، فلم يكن إلا للأنبياء دون أممهم ، وبه جزم الحليمي -رحمه الله تعالى- ، واستدل له بحديث الصحيحين "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء" ورد بأن الذي اختصت به الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء ، كيف ، وفي الحديث : "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي" .

قال الحافظ : والجواب إن هذا الحديث ضعيف ، وعلى تقدير ثبوته يحتمل أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة .

قال الشيخ : هذا الاحتمال قد ورد ما يؤيده فقد تقدم في باب ذكره في التوراة والإنجيل في صفة أمته -صلى الله عليه وسلم- يوضئون أطرافهم رواه أبو نعيم عن ابن مسعود مرفوعا والدارمي عن كعب الأحبار والبيهقي عن وهب : "افترضت عليهم أن يتطهروا في كل صلاة ، كما افترضت على الأنبياء" .

ثم رأيت الطبراني روى في الأوسط بسند فيه ابن لهيعة عن بريدة قال : دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوضوء فتوضأ واحدة واحدة ، ثم قال : "هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به" ثم توضأ مرتين مرتين فقال : "هذا وضوء الأمم قبلكم" ، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا ، فقال : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي" .

وفي هذا تصريح بكون الوضوء للأمم السابقة ، نعم فيه خصوصية لنا عنهم وهو التثليث كما كان للأنبياء ، ويرشد إلى ذلك قول ابن سراقة : خصوا بكمال الوضوء .

قلت : الصحيح بخلاف ما صححه الشيخ في الصغرى ، وخلاف احتمال الحافظ ، ففي البخاري في قصة سارة مع الملك الذي أعطاها هاجر ، أن سارة لما هم الملك بأن يدنو منها ، قامت تتوضأ ، وفي قصة جريج فيه أيضا أنه قام فتوضأ ثم كلم الغلام .

وروى الإمام أحمد من طريق زيد العمي عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : "من [ ص: 345 ]

توضأ واحدة فتلك وظيفة الوضوء الذي لا بد منها ، ومن توضأ مرتين فله كفلان من الأجر ، ومن توضأ ثلاثا فذاك وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي"
.

وروى ابن ماجه والدارقطني عن أبي بن كعب نحوه .

التالي السابق


الخدمات العلمية