سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الباب الخامس فيما اختص به-صلى الله عليه وسلم- عن أمته عن الواجبات

والحكمة من اختصاصه بها زيادة الزلفى والدرجات فلن يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل أداء ما افترض عليهم ، كما في الصحيح عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- .

قال العلماء : خص الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- عن خلقه بواجبات عليه ، لعلمه بأنه أقوم بها منهم ، وأصبر عليها منهم .

وقيل : ليجعل أجره بها أعظم من أجرهم ، وقربه بها أزيد من قربهم .

وأما ما أباحه له مما حرمه عليهم ، فليظهر بذلك كرامته ، ويبين اختصاصه ومنزلته .

وقيل : لعلمه بأن ما خصه به من الإباحة لا يلهيه عن طاعة ، وإن ألهاهم ، ولا يعجزه عن القيام بحقه وإن أعجزهم ، ليعلموا أنه على طاعة الله أقدر ، وعلى حقه أقوم .

وفيه نوعان :

الأول : فيما يتعلق بالأحكام غير النكاح .

وفيه مسائل :

الأولى : اختص -صلى الله عليه وسلم- بوجوب الوضوء لكل صلاة ، وإن لم يحدث ثم نسخ .

روى أبو داود والبيهقي في سننيهما ، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن عبد الله بن حنظلة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يؤمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر ، فلما شق عليه ذلك أمر بالسواك عند كل صلاة ، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث . إسناده جيد وفيه اختلاف لا يضر .

الثانية : وبالسواك في الأصح للحديث السابق ، وهل كان الواجب عليه في العمر مرة أو عند كل صلاة مفروضة ، أو مطلقا أو في الأحوال التي يتأكد فيها استحبابه في حق الأمة ، أو ما هو أعم من ذلك ؟ وحكى بعضهم أنه كان واجبا عليه في الوقت المتأكد في حقنا ، وقيل : لكل صلاة .

قلت : ويشهد له حديث عبد الله بن حنظلة السابق في الأولى .

وقيل : عند تغير الفم .

وقيل : عند نزول الوحي ، قاله النووي في "التنقيح شرح الوسيط" .

الثالثة : وبوجوب صلاة الضحى على الصحيح وقال البلقيني : لم تكن الضحى واجبة [ ص: 396 ]

عليه ، جزموا به .

ففي صحيح مسلم ، عن عبد الله بن شقيق- رضي الله تعالى عنه- قال : قلت لعائشة- رضي الله تعالى عنها- : أكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى ؟ قالت : لا إلا أن يجيء من مغيبه .

وذكر أحاديث كثيرة في ذلك . وقال في الخادم : أخرج البخاري عن ابن أبي ليلى يقول : "ما حدثنا أحد أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى غير أم هانئ ، فإنها قالت : إن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثماني ركعات ، فلم أر صلاة قط أخف منها ، غير أنه يتم الركوع والسجود" ثم قال : وإذا قلنا فهل كان الواجب عليه أقل الضحى ، أو أكثرها أو أدنى كمالها ، لم يتعرضوا له نعم .

روى الإمام أحمد والطبراني عن ابن عباس مرفوعا : "ثلاث علي فريضة وهن لكم تطوع ، الوتر ، وركعتا الفجر ، وركعتا الضحى" .

الرابعة : والوتر على الصحيح .

وقال البلقيني : لم يكن الوتر واجبا عليه ، خلافا لما صححوه . فقد صح أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يوتر على بعيره ، وبه احتج الشافعي- رضي الله تعالى عنه- على عدم وجوب الوتر على الأمة ، فيكون مذهب الشافعي أنه ليس بواجب عليه مطلقا ، ولا دليل لمن قال : كان واجبا عليه في الحضر دون السفر .

وفي الخادم ، من خصائصه -صلى الله عليه وسلم- جواز الوتر على الراحلة ، وبذلك صرح النووي في باب التطوع من شرح مسلم .

قال في الخادم : وإذا قلنا بالوجوب ، فهل كان الواجب عليه أقل الوتر أم أكثر أم أدنى ؟ لم يتعرضوا له أيضا ، والظاهر أن مرادهم الجنس .

الخامسة : وصلاة الليل .

السادسة : وركعتا الفجر .

السابعة : والأضحية .

روى الطبراني والبيهقي عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : "ثلاث هن علي فرائض ، وهن لكم سنة : الوتر ، والسواك ، وقيام الليل" .

وروى الإمام أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : "ثلاث هن علي فرائض ولكم تطوع : النحر ، والوتر ، وركعتا الفجر" . [ ص: 397 ]

ورواه الإمام أحمد والبزار من وجه آخر عنه .

وروى الإمام أحمد والطبراني عنه ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : "ثلاث علي فرائض وهن لكم تطوع : الوتر ، وركعتا الفجر ، وركعتا الضحى" .

وروى الإمام أحمد وعبد بن حميد عنه "أمرت بركعتي الضحى ولم تؤمروا بها ، وأمرت بالأضحية ولم تكتب عليكم" .

التالي السابق


الخدمات العلمية