سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الباب السابع فيما اختص به-صلى الله عليه وسلم- عن أمته من المباحات والتخفيفات وفيه نوعان : اعلم أن التحقيقات توسعة عليه -صلى الله عليه وسلم- تنبيها على أن ما خص به -صلى الله عليه وسلم- من الإباحة لا يلهيه عن طاعة الله ، وإن ألهى غيره ، ومعظم ذلك لم يفعله مع إباحته ، وليس المراد بالمباح هنا مستوى الطرفين ، بل المراد به ما لا حرج في فعله ولا في تركه ، فإنه -صلى الله عليه وسلم- واصل وقد قال الإمام : إنه قربة في حقه -صلى الله عليه وسلم- ، وكذا صفي المغنم والاستبداد بالخمس فقد يكون راجح الفعل كصرفه في أهم المصالح . وقد يكون راجح الترك لفقد هذا المعنى ودخوله مكة بغير إحرام كما تقدم ، وقد يترجح تركه ، وكذا الزيادة على الأربع لا تساوي فيها ، فإن أفعاله وأقواله كلها راجحة مثاب عليها ، حتى في أكله وشربه ، لأن الواحد منا يثاب بشرط أن يقصد وجه الله بذلك ، وهو بذلك أولى -صلى الله عليه وسلم- ، وفي هذا الفعل نوعان : النوع الأول فيما يتعلق بغير النكاح وفيه مسائل : الأولى : اختص -صلى الله عليه وسلم- بالمكث في المسجد جنبا .

عن خارجة بن سعد عن أبيه- رضي الله تعالى عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك " .

قاله ابن القاص في التلخيص : وتوزع في ذلك .

قال النووي . وقد يحتج له بما رواه الترمذي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك" . قال الترمذي : حسن غريب قال النووي : لكن قد يقدح قادح في الحديث بسبب عطية ، فإنه ضعيف عند جمهور المحدثين ، لكن الترمذي قد حسنه ، فلعله اعتضد بما اقتضى حسنه كما تقرر لأهل هذا الفن فظهر ترجيح قول صاحب التلخيص . انتهى .

وروى البيهقي عن أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "ألا إن مسجدي حرام على كل حائض من النساء ، وكل جنب من الرجال إلا محمدا وأهل بيته عليا ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين" .

وروى البخاري في تاريخه ، والبيهقي عن عائشة (رضي الله عنها) أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب ، إلا لمحمد وآل محمد" .

وروى ابن عساكر عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول . [ ص: 424 ]

الله -صلى الله عليه وسلم- لعلي : "إنه يحل لك في المسجد ما يحل لي"
.

وروى الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن أبي حازم الأشجعي- رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "إن الله أمر موسى أن يبني مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا هو وهارون ، وإن الله أمرني أن أبني مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا أنا وعلي وأبناء علي" .

فهذه الأحاديث تشهد لتحسين الترمذي ، وفي عد هذه الخصائص نظر ، لأن عليا يشاركه في ذلك .

الثانية : وبأنه لا ينتقض وضوءه بالنوم مضطجعا .

روى الشيخان عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت : قلت : يا رسول الله ، تنام قبل أن توتر ؟ فقال : "يا عائشة ، إن عيني تنامان ولا ينام قلبي" .

ورويا في حديث الإسراء عن أنس- رضي الله تعالى عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تنام عيناه ولا ينام قلبه ، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم .

قال أبو عمر : هذا من علياء مراتب الأنبياء صلى الله عليهم وسلم .

كما روي : "إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا" ولذا قال ابن عباس : رؤيا الأنبياء وحي ، لأن الأنبياء يفارقون سائر البشر في نوم القلب ويساووهم في نوم العين ، فلو سلط النوم على قلوبهم كما يصنع بغيرهم ، لم تكن رؤياهم إلا كرؤيا من سواهم .

ومن هذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينام حتى ينفخ ثم يصلي ولا يتوضأ ، لأن الوضوء إنما يجب لغلبة النوم على القلب لا على العين ، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يساوي أمته في الوضوء من الحدث ، ولا يساويهم في الوضوء من النوم .

وروى مسدد وابن حبان عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "تنام عيني ولا ينام قلبي" .

وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال : كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينام وهو ساجد ، فما يعرف نومه إلا بنفخه ، ثم يقوم فيمضي في صلاته .

ورواه أبو يعلى بلفظ : كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينام مستلقيا حتى ينفخ ، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ .

وروى عبد الرزاق عن أبي قلابة- رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "قيل لي : لتنم عينك ، وليعقل قلبك ، ولتسمع أذنك ، فنامت عيني ، وعقل قلبي ، وسمعت أذني" . [ ص: 425 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية