سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الباب الرابع     في بعض مناقب أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهما -

  وفيه أنواع :

    الأول : في مولدها ونسبها ، ولدت وقريش تبني الكعبة قبل مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بخمس سنين ، وتقدم نسب أبيها ، وأمها زينب بنت مظعون .

  الثاني : فيمن كانت تحته وتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - إياها - رضي الله تعالى عنها - .

  كانت تحت خنيس بخاء معجمة مضمومة فنون مفتوحة ، فتحتية ، ساكنة فسين مهملة ابن حذافة ، بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة ، وبعد الألف فاء ، السهمي وكان ممن شهد بدرا فهاجر بها إلى المدينة فمات بها من جراحات أصابته ببدر ، وقيل : بل أحد ، ورجح كل مرجحون ، والأول أشهر ، فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شعبان على رأس ثلاثين شهرا من مهاجره على القول الأول ، وبعد أحد على القول الثاني .

  وروى الإمام أحمد والشيخان والنسائي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال : تألمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي ، وكان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد شهد بدرا فتوفي بالمدينة ، قال عمر : فلقيت عثمان فعرضت عليه حفصة ، وقلت : إن شئت أنكحتك حفصة ابنة عمر ، قال : سأنظر في أمري ، فلبثت ليالي ثم لقيني ، فقال : قد بدا لي أن لا أتزوج في يومي هذا ، قال عمر : فلقيت أبا بكر ، فقلت : إن شئت أنكحتك حفصة ابنة عمر ، فصمت أبو بكر ، فلم يرجع إلي شيئا ، فكنت أوجد عليه مني على عثمان ، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنكحتها إياه ، فلقيني أبو بكر ، فقال : لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة ، فلم أرجع إليك شيئا ؟ ، فقلت : نعم ، قال : فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو تركها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقبلتها .

  وروى ابن سعد عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال : لما توفي خنيس بن حذافة عرضت حفصة على عثمان ، فأعرض عني ، فذكرت للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، لا تعجب من عثمان ، إني عرضت عليه حفصة ، فأعرض عني فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد زوج الله تعالى عثمان خيرا من ابنتك ، وزوج ابنتك خيرا من عثمان ، قال : وكان عمر قد عرض [ ص: 185 ] حفصة على عثمان في متوفى رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان عثمان يريد يومئذ أم كلثوم بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعرض عثمان عن عمر لذلك ، فتزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حفصة ، وزوج أم كلثوم من عثمان .

  وروى ابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ، قال : تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة اثنتين من الهجرة بالمدينة .

  وروى أيضا عن الزهري - رحمه الله تعالى - قال : أخبرني رجل من بني سهم من أهل المدينة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوجها سنة ثلاث .

  الثالث : في أمر الله - تبارك وتعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بمراجعتها لما طلقها ، وقال : إنها زوجتك في الجنة .

  وروى أبو داود والنسائي ، وابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلق حفصة ثم راجعها .

  وروى أبو بكر بن أبي خيثمة ، والطبراني برجال الصحيح عن قيس بن زيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلق حفصة بنت عمر - رضي الله تعالى عنهما - فدخل عليها خالاها (حذافة ) وعثمان ابنا مظعون ، فبكت ، وقالت : والله ، ما طلقني عن شبع ، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتجلببت فقال لي : قال لي جبريل : راجع حفصة ، فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة .

  وروى ابن أبي خيثمة أيضا عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلق حفصة تطليقة فأتاه جبريل - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد ، طلقت حفصة وهي صوامة قوامة ، وهي زوجتك في الجنة ! وروى [أبو نعيم ] عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه قال : طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حفصة فبلغ ذلك عمر فحثا على رأسه التراب وقال : ما يعبأ الله بعمر وابنته وبعدها نزل جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم - من الغد ، وقال : إن الله تعالى يأمرك أن تراجع حفصة رحمة بعمر ثم أراد أن يطلقها ثانية ، فقال له جبريل . لا تطلقها ، فإنها صوامة قوامة .

  الرابع : في استظهارها بتحريم مارية .

  [روى الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا [التحريم 3 ] قال : دخلت حفصة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيتها ، وهو يطأ مارية فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لا تخبري عائشة حتى أبشرك بشارة فإن أباك يلي الأمر بعد أبي [ ص: 186 ] بكر إذا أنا مت ، فذهبت حفصة فأخبرت عائشة ، فقالت عائشة للنبي - صلى الله عليه وسلم - : من أنبأك هذا قال : نبأني العليم الخبير فقالت عائشة : لا أنظر إليك حتى تحرم مارية فحرمها فأنزل الله : يا أيها النبي لم تحرم [التحريم 1 ] .

  الخامس : في قول عائشة - رضي الله تعالى عنها - إنها ابنة أبيها تنبيها على فضلها .

  [روى أبو داود والبيهقي عن الزهري قال : بلغني أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدي لهما طعام فأفطرتا عليه فدخل عليهما النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت عائشة : فقالت حفصة فبدرتني بالكلام وكانت ابنة أبيها يا رسول الله إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين وأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقضيا مكانه يوما آخر ] .

  السادس : فيمن شهد بدرا من أهلها .

  شهد من أهلها بدرا : أبوها عمر - رضي الله تعالى عنه - وعمها زيد ، وزوجها خنيس ، وأخوالها عثمان ، وعبد الله ، وقدامة بنو مظعون والسائب بن عثمان بن مظعون ابن خالها .

  السابع : في وفاتها - رضي الله تعالى عنها - توفيت في شعبان سنة خمس وأربعين بالمدينة وصلى عليها مروان بن الحكم أمير المدينة وحمل سريرها بعض الطريق ، ثم حمله أبو هريرة إلى قبرها ، ونزل في قبرها عبد الله وعاصم ابنا عمر ، وسالم ، وعبد الله ، وحمزة بنو عبد الله بن عمر ، وقد بلغت ستين سنة ، وقيل : ماتت سنة إحدى وأربعين . رواه أبو بكر بن أبي خيثمة وقيل : ماتت لما بايع الحسن معاوية وذلك في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين فأوصت إلى عبد الله أخيها بما أوصى إليها عمر ، وتصدقت بمال وقفته بالغابة ، وروي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستون حديثا .

  بيان غريب ما سبق .

  الغابة : [موضع قريب من المدينة ] .

  [ ص: 187 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية