سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
جماع أبواب غسله وتكفينه ، والصلاة عليه ، ودفنه ، وموضع قبره ، والاستسقاء به وفضل ما بينه وبين المنبر ، وفضل مسجده وحياته في قبره ، وعرض أعمال أمته عليه وحكم تركته زاده الله فضلا وشرفا لديه

الباب الأول في غسله- صلى الله عليه وسلم- ومن غسله ، وما وقع في ذلك من الآيات

قال ابن إسحاق : فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الثلاثاء .

وروى ابن سعد ، عن علي ، وأبو داود ومسدد ، وأبو نعيم وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه الذهبي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها- قالت : لما أرادوا غسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- اختلفوا فيه ، فقالوا : والله ما ندري كيف نصنع أنجرد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثيابه كما نجرد موتانا ، أم نغسله وعليه ثيابه ، فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم ، حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن غسلوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعليه ثيابه ، فقاموا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعليه قميصه ، فغسلوه يفاض عليه الماء والسدر فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم [فكانت عائشة تقول : لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ، ما غسله إلا نساؤه] .

وروى ابن سعد عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال : لما أخذنا في جهاز رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أغلقنا الباب دون الناس جميعا ، فنادت الأنصار : نحن أخواله ، ومكاننا من الإسلام مكاننا . ونادت قريش : نحن عصبته ، فصاح أبو بكر : يا معشر المسلمين ، كل قوم أحق بجنازتهم من غيرهم فننشدكم الله ، فإنكم إن دخلتم أخرتموهم عنه ، والله لا يدخل عليه إلا من دعي .

وروى الإمام الشافعي وابن الجارود وابن حبان وأبو داود والطيالسي وأبو يعلى عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه- قال : لما مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : اختلف الذين يغسلونه [ ص: 322 ] فسمعوا قائلا يقول ، لا يدرون من هو : اغسلوا نبيكم وعليه قميصه ، فغسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في قميصه وقالت عائشة : ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا نساؤه .

وروى ابن ماجه عن بريدة - رضي الله تعالى عنه- قال : لما أخذوا في غسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ناداهم مناد من الداخل أن لا تنزعوا عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قميصه .

وله طرق كثيرة مرسلة .

وروى ابن سعد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه عن علي - رضي الله تعالى عنه- قال : غسلت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فذهبت أنظر ما يكون من الميت ، فلم أر شيئا ، وكان طيبا حيا وميتا [وولي دفنه وإخباءه دون الناس أربعة : علي والعباس والفضل ، وصالح مولى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولحد رسول الله لحدا ، ونصب عليه اللبن نصبا .

وروى ابن سعد والبزار والبيهقي بسند فيه ضعف عنه قال : أوصى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن لا يغسله أحد غيري؛ فإنه لا يرى أحد عورته إلا طمست عيناه .

قال علي : فكان الفضل وأسامة يناولان الماء من وراء الستر وهما معصوبا العين .

قال علي : فما تناولت عضوا إلا كأنما يقلبه معي ثلاثون رجلا حتى فرغت من غسله
.

وروى البيهقي من طريق أبي معشر عن محمد بن قيس مرسلا وفيه ضعف قال : قال علي : وما كنا نريد أن نرفع منه عضوا لنغسله إلا رفع لنا حتى انتهينا إلى عورته ، فسمعنا من جانب البيت صوتا لا تكشفوا عن عورة نبيكم .

وروى ابن سعد عن عبد الله بن الحارث : أن عليا غسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فجعل يقول : طبت حيا وميتا ، وقال : وسطعت ريح طيبة لم يجدوا مثلها قط .

وروى الطبراني مثله عن ابن عباس .

وروى ابن سعد عن عبد الواحد بن أبي عون قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لعلي : [ ص: 323 ] «اغسلني إذا مت» فقال : يا رسول الله ، ما غسلت ميتا قط! قال : إنك ستهيأ أو تيسر ، قال علي : فغسلته فما آخذ عضوا إلا تبعني ، والفضل آخذ بحضنه يقول : أعجل يا علي ، انقطع ظهري .

وروى ابن سعد عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال : غسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- علي ، والفضل ، وأسامة بن زيد وشقران ، وولي غسل سفلته علي ، والفضل محتضنه ، وكان العباس وأسامة بن زيد وشقران يصبون الماء .

وروى ابن سعد بسند ضعيف عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما- وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : أن العباس لم يحضر غسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال : لأني كنت أراه يستحي أن أراه حاسرا .

وفي عدة أحاديث أنه حضر غسله .

وروى ابن سعد من طرق عن سعيد بن المسيب قال : التمس علي من النبي- صلى الله عليه وسلم- عند غسله ما يلتمس من الميت فلم يجد شيئا ، فقال : بأبي أنت وأمي ، طبت حيا وميتا .

وروى البيهقي عن علباء بن أحمر قال : كان علي والفضل يغسلان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فنودي علي : ارفع طرفك إلى السماء .

وروى ابن ماجه عن علي - رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : « إذا أنا مت فاغسلوني بسبع قرب من بئر غرس » .

وروى ابن سعد والبيهقي عن أبي جعفر محمد بن علي قال : غسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثلاثا بالسدر ، وغسل وعليه قميص وغسل من بئر يقال لها الغرس [ لسعد بن حيثمة بقباء] وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- يشرب منها وولي غسله علي ، والفضل محتضنه ، والعباس يصب الماء ، فجعل الفضل يقول : أرحني ، قطعت وتيني ، إني لأجد شيئا يترطل علي مرتين .

وروى ابن سعد عن الشعبي مرسلا قال : غسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- علي وأسامة والفضل ابن العباس وكان علي يقول وهو يغسله : بأبي أنت وأمي ، طبت حيا وميتا .

وفي رواية قال : غسل [ ص: 324 ] علي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والعباس قاعد والفضل محتضنه وعلي يغسله وعليه قميص ، وأسامة يختلف .

وروى أيضا عن إبراهيم قال : غسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- العباس ، وعلي ، والفضل- وفي لفظ- والعباس يسترهم .

ورواه عن ابن شهاب ، وزاد : وصالح مولى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- .

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه- قال : اجتمع القوم لغسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وليس في البيت إلا أهله : عمه العباس بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، والفضل بن عباس ، وقثم بن عباس ، وأسامة بن زيد بن حارثة ، وصالح مولاه . فلما اجتمعوا لغسله نادى مناد من وراء الناس ، وهو أوس بن خولي الأنصاري ، أحد بني عوف بن الخزرج ، وكان بدريا على علي بن أبي طالب فقال : يا علي ننشدك الله وحظنا من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له علي : ادخل ، فدخل ، فحضر غسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولم يل من غسله شيئا ، فأسنده علي إلى صدره ، وعليه قميصه ، وكان العباس والفضل وقثم يقلبونه مع علي ، وكان أسامة بن زيد ، وصالح مولاه يصبان الماء ، وجعل علي يغسله ولم ير من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شيئا مما يرى من الميت ، وهو يقول : بأبي وأمي ، ما أطيبك حيا وميتا! حتى إذا فرغوا من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان يغسل بالماء والسدر جففوه ، ثم صنع به ما يصنع بالميت .

وروى ابن سعد والحاكم في «الإكليل» عن هارون بن سعد قال : كان عند علي مسك ، فأوصى أن يحنط به ، وكان علي يقول : هو فضل حنوط رسول الله- صلى الله عليه وسلم- .

وروى ابن إسحاق عن عكرمة - رحمه الله تعالى- قال : لما قبض الله تعالى نبيه- صلى الله عليه وسلم- غسله علي بن أبي طالب ، والفضل بن عباس ، وكان العباس يناولهم الماء من وراء الستر ، ما يمنعني أن أغسله إلا أنا كنا صبيانا نحمل الحجارة في المسجد .

التالي السابق


الخدمات العلمية