سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
التنبيه السابع :

في الكلام على البراق ، وهو بضم الموحدة وتخفيف الراء مشتق من البريق فقد جاء في لونه أنه أبيض أو من البرق لأنه وصف بسرعة السير أو من قولهم : شاة برقاء إذا كان خلال صوفها الأبيض طاقات سوداء ، ولا ينافيه وصفه في الحديث بالبياض لأن البرقاء من الغنم معدودة في البيض . وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد والحارث : «أبرقوا فإن دم عفراء أزكى عند الله من دم سوداوين» ، فجعل البرقاء مقابلة السوداوين تفضيلا للبياض ، فلهذا يكون البراق أفضل الألوان ويجوز أن يجمع بين المعنيين فيسمى براقا للونه ولسرعة مسيره فيكون ذلك من قبيل مجملي اللفظ المشترك دفعة واحدة في اللفظ ويحتمل ألا يكون مشتقا .

قال ابن أبي جمرة : وإنما كان ركوب النبي صلى الله عليه وسلم على البراق إشارة إلى أن الاختصاص به لأنه لم ينقل أن أحدا ملكه بخلاف جنسه من الدواب . قال : والقدرة صالحة لأن يصعد بنفسه بغير براق ، لكن كان البراق بشارة له في تشريفه ، لأنه لو صعد بنفسه لكان في صورة ماش ، والراكب خلاف الماشي . وقال ابن دحية : ربما مزج خرق العادة بالعادة تأنيسا ، وقد كان الحق قادرا على أن يرفع نبيه صلى الله عليه وسلم بدون البراق ، ولكن الركوب وصفة المركوب المعتاد تأنيس في هذا المقام العظيم بطرف من العادة ، ولعل الإسراء بالبراق إظهار للكرامة العرفية ، فإن الملك العظيم إذا استدعى وليا له وخصيصا به ، وأشخصه إليه بعث إليه بمركوب سني ، يحمله عليه في وفادته إليه . ولم يكن البراق بشكل الفرس ولكنه بشكل البغل وكان ذلك- والله تعالى أعلم- للإشارة إلى أن الركوب في سلم وأمن لا في حرب وخوف ، أو لإظهار المعجزة في الإسراع العجيب من دابة ما يوصف شكلها بالإسراع الشديد عادة .

فإن قيل : فقد ركب النبي صلى الله عليه وسلم البغلة في الحرب ، فالجواب : كان ذلك لتحقيق نبوته [ ص: 102 ]

عليه الصلاة والسلام في مواطن الضرب والطعن والانتشاب في نحر العدو ، ولما كان الله تعالى خصه بمزيد من الشجاعة والقوة . وإلا فالبغال عادة من ركوب الطمأنينة والأمنة ، فبين أن الحرب عنده كالسلم قوة قلب وشجاعة نفس ، وثقة وتوكل . وركبت الملائكة في الحرب على الخيل لا غير لأنها بصدد ذلك عرفا دون غيرها من المركوبات . ولطف شكل البراق لما وصفه ، عن شكل البغل ، وما لطف من البغال واستدار أحمد وأحسن من المطهمات منها ، وذلك بخلاف الخيل .

ولم يسم الله سبحانه وتعالى سير البراق برسوله صلى الله عليه وسلم طيرانا ، وإنما سماه بما يسمى به السير المعتاد وسير الليل عند العرب سرى ، فيؤخذ من هذا أن الولي إذا طويت له الأرض البعيدة في الساعة الواحدة يتناوله اسم المسافر ، ويشمله أحكام السفر باعتبار القصر والفطر .

وإنما لم يذكر البراق في الرجوع لأن ذلك معلوم بذكره في الصعود ، كقوله تعالى : وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر [النحل : 81] يعني والبرد .

قال في فتح الصفا : فإن قيل : هلا كان الإسراء على أجنحة الملائكة والريح كما كانت تحمل سليمان عليه الصلاة والسلام أو الخطوة كطي الزمان؟ قلت المراد اطلاعه على الآيات الخارقة للعادة ، وما يتضمن أمرا عجيبا ، ولا عجب في حمل الملائكة أو الريح بالنسبة إلى قطعة هذه المسافة ، بخلاف قطعها على دابة في هذا الحجم المحكي عن صفتها ، ووقع من تعظيمه بالملائكة ما هو أعظم من حمله على أجنحتها فقط . فقد أخذ جبريل بركابه وميكائيل بزمام البراق ، وهما من أكابر الملائكة ، فاجتمع له صلى الله عليه وسلم حمل البراق ، وما هو كحمل البراق من الملائكة وهذا أتم في الشرف .

واختلفت الأقاويل في صفته ، فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما ما ذكر . وقال صاحب الاحتفال : إنه دون البغل وفوق الحمار ، وجهه كوجه الإنسان وجسده كجسد الفرس وقوائمه كقوائم الثور وذنبه كذنب الغزال . وقال غيره : جسده كجسد الإنسان وذنبه كذنب البعير وعرفه كعرف الفرس وقوائمه كقوائم الإبل وأظلافه كأظلاف البقر وصدره كأنه ياقوتة حمراء وظهره كأنه درة بيضاء . له جناحان في فخذيه وهذا كله لم يصح منه شيء ، وما ذكره عن ابن عباس أمثلها ، ولعل السر في كونهما في فخذيه لثقل مؤخر الدابة ، أو لأن ذلك جار على هذا الأمر في خرق العادة ، أو لأجل الراكب ، لأنهما لو كانا في جنبيه على العادة لكانا تحت فخذي الراكب أو فوقهما ، ويحصل له من ذلك مشقة بضمهما ونشرهما خصوصا مع السرعة العظيمة . [ ص: 103 ]

وفي بعض الآثار أنه ليس بذكر ولا أنثى ، فاقتضى ذلك أن يكون مفردا بالخلق بهذه الصفة من غير توليد ، وقد قال تعالى : ومن كل شيء خلقنا زوجين [الذاريات : 49] ونقل الشيخ سعد الدين إن الملائكة الكرام لا ذكور ولا إناث إلى آخر ما ذكره . وفي أثر آخر أن جبريل خاطبه خطاب المؤنث .

واختلف في الحكمة في استصعاب البراق ، فقال ابن بطال : إنما استصعب عليه لبعده بركوب الأنبياء قبله ، ويؤيده ما في المبتدأ لابن إسحاق رواية وثيمة بن موسى في ذكر الإسراء ، «فاستصعب البراق وكانت الأنبياء تركبها قبلي» وكانت بعيدة العهد بركوبهم فلم تكن ركبت في الفترة .

وقال ابن دحية وابن المنير : «إنما استصعب تيها وزهوا بركوب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأراد جبريل بقوله : أبمحمد تستصعب؟ استنطاقه بلسان الحال إذ إنه لم يقصد الصعوبة ، وإنما تاه بركوب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولهذا قال : فارفض عرقا ، فكأنه أجاب بلسان الحال ، فبرئ من الاستصعاب ، وعرق من خجل العتاب ، وذلك قريب من رجفة الجبل به حتى قال : اثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيد ، فإنها هزة طرب لا هزة غضب ، كما سيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في المعجزات . قال الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي رحمه الله تعالى : ولا يبعد أن يقال إنما كان استصعابه فرقا من هيبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية