سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
التنبيه الثالث والأربعون :

قال العلماء : «لم يكن بكاء موسى حسدا ، معاذ الله ، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين ، فكيف بمن اصطفاهم الله تعالى ، بل كان أسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم والمستلزمة لتنقيص أجره ، لأن لكل نبي أجر من تبعه ، ولهذا كان من اتبعه في العدد دون من اتبع نبينا صلى الله عليه وسلم مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة .

وقال ابن أبي جمرة : «قد جعل الله تعالى في قلوب أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الرحمة والرأفة لأمتهم ، وقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسئل عن بكائه فقال : «هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» . والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أخذوا من رحمة الله تعالى أوفر نصيب ، فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من غيرهم . فلأجل ما كان لموسى عليه الصلاة والسلام من الرحمة واللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته لأن هذا وقت إفضال وجود وكرم .

فرجا لعله يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله تعالى أمته ببركة هذه الساعة . فإن قيل :

كيف يكون هذا وأمته لا تخلو من قسمين : قسم مات على الإيمان ، وقسم مات على الكفر فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة والذي مات على الكفر لا يدخل الجنة أبدا ، فبكاؤه لأجل ما ذكرتم لا يسوغ إذ إن الحكم فيه قد مر ونفذ . قيل في الجواب : وكذلك قدر الله عز وجل قدره على قسمين ، كما شاءت حكمته ، فقدر قدرا وقدر أن ينفذ على كل الأحوال وقدر قدرا وقدر ألا ينفذ ، ويكون وقوعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير ذلك» . [ ص: 125 ]

ومثاله دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوات الثلاث لأمته وهي : ألا يظهر عليهم عدو من غيرهم ، وألا يهلكهم بالسنين ، فأعطيهما ودعا بألا يجعل بأسهم بينهم ، فاستجيب في الاثنتين ولم يستجب له في الثالثة ، وقيل له : هذا أمر قدرته أي أنفذته ، فكانت الاثنتان من القدر الذي قدره الله تعالى وقدر ألا ينفذه بسبب الدعاء وكانت دعوته الثالثة من القدر الذي قدره الله تعالى وقدر إنفاذه على كل الأحوال لا يرده راد . وسيأتي لهذا مزيد إيضاح .

فلأجل ما ركب في موسى عليه الصلاة والسلام من اللطف والرحمة بالأمة طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره الله تعالى وقدر ارتفاعه بسبب الدعاء والتضرع .

وهذا وقت يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى لأنه وقت أسري فيه بالحبيب ليخلع عليه خلع القرب والفضل العميم ، فطمع الكليم لعل أن يلحق لأمته نصيبا» .

وبوجه آخر وهو البشارة للنبي صلى الله عليه وسلم وإدخال السرور عليه يشهد لذلك بكاؤه حين ولى النبي صلى الله عليه وسلم وقبل أن يبعد عنه لكي يسمعه ، لأنه لو كان البكاء خاصا بموسى لم يكن ليبكي حتى يبعد عنه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمعه لأن البكاء والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ، فيه شيء من التهوين عليه .

فلما أن كان المراد بذلك ما يصدر عن البشارة له صلى الله عليه وسلم بسبب البكاء بكى والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعه ، والبشارة التي يتضمنها البكاء هي قول موسى عليه الصلاة والسلام للذي هو أكثر الأنبياء اتباعا : «إن الذي يدخل الجنة من أمة محمد أكثر ممن يدخلها من أمتي» .

«وقد وقع من موسى عليه السلام من العناية بهذه الأمة في أمر الصلاة ما لم يقع لغيره ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، مرفوعا : «كان موسى أشدهم علي حين مررت به وخيرهم حين رجعت إليه» . وفي حديث أبي سعيد : فأقبلت راجعا فمررت بموسى ونعم الصاحب كان لكم» .

التالي السابق


الخدمات العلمية