سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الثالث : اختلف في السنة التي فيها شرع [الأذان] . قال الحافظ : "والراجح أنه كان في السنة الأولى ، وقيل : بل في الثانية" .

الرابع : قول ابن عمر : فقال عمر : "أو لا تبعثون رجلا منكم ينادي بالصلاة" .

فقال [ ص: 358 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا بلال قم فناد بالصلاة" .

قال النووي : هذا الدعاء دعاء إلى الصلاة غير الأذان ، وكان قد شرع قبل الأذان . قال الحافظ : والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي بالصلاة كان عقب المشاورة فيما يفعلونه ، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك . وكان اللفظ الذي ينادي به بلال هو "الصلاة جامعة" ، كما رواه ابن سعد ، وسعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب مرسلا . وقد وقع للقاضي أبي بكر العربي هنا كلام غير محرر طعن فيه في صحة حديث ابن عمر الثابت في الصحيح" وقد بسط الحافظ الكلام على رده .

الخامس : روى الطبراني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه رأى الأذان ، وسنده واه ، ووقع في "الوسيط" للغزالي أنه رآه بضعة عشر رجلا . وعبارة الجيلي في "شرح التنبيه" : أربعة عشر رجلا ، وأنكره ابن الصلاح [فقال : لم أجد هذا بعد إمعان البحث] ثم النووي [في تنقيحه فقال : هذا ليس بثابت ولا معروف ، وإنما الثابت خروج عمر يجر رداءه] ، ونقل مغلطاي عن بعض كتب الفقهاء أنه رآه سبعة عشر رجلا من الأنصار . قال الحافظ : "الحق أنه لا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد ، وقصة عمر جاءت في بعض الطرق" .

وروى الحافظ ابن أبي أسامة عن كثير بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أول من أذن بالصلاة جبريل في السماء ، فسمعه عمر وبلال ، فسبق عمر بلالا ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم جاء بلال ، فقال : "سبقك بها عمر" .

وسنده واه جدا ، في سنده سعيد بن سنان ، قال الذهبي في "المغني" : "متروك متهم" .

السادس : وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة ، منها للطبراني عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، قال : "لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم أوحى الله تعالى إليه : [ ص: 359 ] بالأذان ، فنزل به ، فعلمه بلالا ، وفي سنده طلحة بن زيد الرقي ، هالك . قال الحافظ أبو الفرج بن رجب : هذا حديث موضوع بهذا الإسناد بغير شك ، قلت : وبغيره أيضا .

ولابن شاهين عن علي بن أبي طالب : "علم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الأذان ليلة أسري به ، وفرضت عليه الصلاة" ،

وفي سنده حصين بن مخارق ، وهو وضاع . وللدارقطني في "الأفراد" ، وعن أنس رضي الله عنه "أن جبريل أمر النبي- صلى الله عليه وسلم- بالأذان حين فرضت الصلاة" ، وسنده ضعيف .

ولابن مردويه من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا : "لما أسري بي أذن جبريل ، فظنت الملائكة أنه يصلي بهم ، فقدمني فصليت" ، وفي سنده من لا يعرف . وقال الذهبي في مختصر الإمام ، أصل الإلمام لابن دقيق العيد : "هذا حديث منكر ، بل موضوع" . وللبزار وغيره من حديث قال : "لما أراد الله عز وجل أن يعلم رسوله الأذان ، أتاه جبريل بدابة يقال لها البراق فركبها [حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن ، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب ، فقال : يا جبريل من هذا؟ قال : والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا ، وأن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه ، فقال الملك : الله أكبر ، الله أكبر ، فقيل من وراء الحجاب ، صدق عبدي ، أنا أكبر ، أنا أكبر] ، فذكر بقية الأذان ، وفي آخره : "ثم أخذ الملك بيده فأم أهل السماء . . " وفي إسناده زياد بن المنذر وهو متروك أيضا . وقال ابن معين : عدو الله كذاب . وقال الذهبي : "هذا من وضعه" . وقال ابن كثير : "هذا الحديث الذي زعم السهيلي أنه صحيح هو منكر ، تفرد به زياد بن المنذر الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية من الرافضة وهو [ ص: 360 ] من المتهمين ، ولو كان النبي- صلى الله عليه وسلم- سمعه ليلة الإسراء لأمر به بعد الهجرة" . ولابن شاهين من طريق زياد المذكور ، قال : "قلت لابن الحنفية : كنا نتحدث أن الأذان كان رؤيا ، فقال : هذا والله الباطل ، لكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما عرج به بعث إليه ملك علمه الأذان" . قال [الحافظ ابن حجر] : "هذا باطل ، ويمكن على تقدير صحته أن يحمل على تعدد الإسراء ، فيكون ذلك وقع بالمدينة ، وأما قول القرطبي : لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعا في حقه ، ففيه نظر لقوله في أوله : "لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان" ، وكذا قول المحب الطبري : يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغوي وهو الإعلام ، [وهذا] فيه نظر أيضا لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه" .

ولابن شاهين من طريق زياد أيضا عن الباقر عن أبيه عن أبي رافع عن علي رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : "يا علي إن الله علمني الصلاة والأذان ، أتاني جبريل بالبراق" ،

وزياد [راويه] كذاب . ولأبي الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "نزل الأذان على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع فرض الصلاة" ، وفي سنده عبد العزيز بن مروان ، وهو تالف . قال الحافظ : "والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث ، وقد جزم ابن المنذر "أنه- صلى الله عليه وسلم- كان يصلي بغير أذان ، منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة ، وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما جاء في حديث عبد الله بن عمر ، ثم في حديث عبد الله بن زيد" - انتهى كلام ابن المنذر . وقد حاول السهيلي الجمع بينهما فتكلف وتعسف ، والأخذ بما صح أولى ، فقال بانيا على صحته الحكم في مجيء الأذان على لسان الصحابي في المنام فقصه ، فوافق ما كان النبي- صلى الله عليه وسلم- سمعه فقال : "إنها لرؤيا حق" ، وعلم حينئذ أن مراد الله بما أريه في السماء أن يكون سنة في الأرض ، وقوى ذلك عنده موافقته رؤيا عمر للأنصاري ، لأن السكينة تنطق على لسان عمر" . . انتهى .

ويؤخذ منه عدم الاكتفاء برؤيا عبد الله بن زيد حتى أضيف إليه عمر للتقوية التي ذكرها . ولكن قد يقال : فلم اقتصر على عمر؟ فيمكن أن يجاب : ليصير في معنى الشهادة . وقد جاء في رواية ضعيفة سبقت ما ظاهره أن بلالا أيضا رأى ، لكنها مؤولة ، فإن لفظها : "سبقك بها عمر" ، يحمل المراد بالسبق على مباشرة التأذين برؤيا عبد الله بن زيد .

السابع : قال السهيلي : "اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الأذان على لسان غير النبي [ ص: 361 ] - صلى الله عليه وسلم- من المؤمنين ، لما فيه من التنويه من الله تعالى بعبده والرفع لذكره ، فلأن يكون ذلك على لسان غيره أنوه به وأفخم لشأنه ، وهذا معنى بين ، فإن الله تعالى يقول : ورفعنا لك ذكرك [سورة الشرح ، الآية : 4] ، فمن رفع ذكره أن أشار به على لسان غيره" . انتهى كلام السهيلي- وهذا حسن بديع .

الثامن : من أغرب ما وقع في بدء الأذان ما رواه أبو الشيخ من طريق عبد العزيز بن مروان- وهو تالف- عن عبد الله بن الزبير قال : "أخذ الأذان من أذان إبراهيم عليه السلام : وأذن في الناس بالحج [سورة الحج ، الآية : 27] الآية ، قال : "فأذن النبي- صلى الله عليه وسلم-" ، وما رواه أبو نعيم بسند فيه مجاهيل عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما : "أن جبريل نادى بالأذان لآدم عليه السلام حين أهبط من الجنة" .

التاسع : ذكر بعضهم مناسبة اختصاص بلال بالأذان دون غيره ، كونه لما عذب ليرجع عن الإسلام كان يقول : أحد أحد ، فجوزي بولاية الأذان المشتمل على التوحيد من ابتدائه إلى انتهائه .

العاشر : استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد ، ورؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي . وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك ، بأنه- صلى الله عليه وسلم- أمر بمقتضاها لينظر أيقر على ذلك أم لا ، ولا سيما لما رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه ، ويؤيد الأول حديث عبيد بن عمير ، أحد كبار التابعين :

"أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي- صلى الله عليه وسلم- : فوجد الوحي قد ورد بذلك ، فما راعه إلا أذان بلال" . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "سبقك بذلك الوحي" .

وهذا أصح كما حكاه الداودي عن ابن إسحاق "أن جبريل أتى النبي- صلى الله عليه وسلم- بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد بثمانية أيام" .

الحادي عشر : قيل أن الحكمة في تثنية الأذان وإفراد الإقامة : أن الأذان إعلام للغائبين متكرر ليكون أوصل إليهم ، بخلاف الإقامة فإنها للحاضرين ، ومن ثم استحب أن يكون الأذان في مكان عال بخلاف الإقامة ، وأن يكون الصوت في الأذان أرفع منه في الإقامة .

الثاني عشر : في بيان غريب ما سبق :

"بدء" الأذان ، بفتح الموحدة وسكون الدال [المهملة] وبالهمزة ، أي ابتداؤه .

"الحين" : الزمان قل أو كثر . [ ص: 362 ]

"يتحينون" الصلاة : أي يطلبون حينها .

"المواقيت" جمع ميقات : وهو الوقت المضروب للفعل .

"الدعوة" : بالفتح : الأذان .

"القنع" : بضم القاف وسكون النون : هو البوق- بضم الموحدة- شيء مجوف ينفخ فيه .

"الشبور" : بشين معجمة مفتوحة فموحدة مضمومة مشددة وهو البوق .

"الناقوس" : آلة من النحاس ، يضرب فيصوت .

"حي" على الصلاة : أقبلوا .

"الفلاح" : أي الفوز ، أي هلموا إلى طريق النجاة والفوز .

"أندى" صوتا منك ، أي أمد وأبعد وأرفع غاية ، وقيل : أحسن وأعذب .

"ألقه" عليه : أي علمه إياه .

فما "راع" عمر : أي ما شعر عمر ، أي ما أعلمه .

"لدي" : بفتح اللام وتشديد التحتية : أي عندي ، وإلي بذلك تابع .

"التوقير" : التعظيم .

"الحصاص" بحاء مضمومة فصادين مهملتين : الضراط ، وقيل : شدة العدو ، ويفعل ذلك الشيطان لئلا يسمع الأذان فيضطر إلى الشهادة يوم القيامة .

"الغيلان" : واحدها غول ، والغيلان : جنس من الجن كانت العرب تزعم أنها تتراءى للناس في الفلاة فتتمثل في صور شتى فتغولهم ، أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم ، فنفاه صلى الله عليه وسلم

بقوله : "لا غول [ولا صفر] "

[وقيل قوله : لا غول] ، ليس نفيا [لعين الغول] ووجوده ، وإنما فيه إبطال زعم العرب في تلونه بالصور المختلفة واغتياله ، فيكون المعنى بقوله : لا غول أنها لا تستطيع أن تضل أحدا . ومنه الحديث : "إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان" ، أي ادفعوا شرها بذكر الله ، وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها . [ ص: 363 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية