سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
الباب التاسع : في سؤالهم عن أشياء لا يعرفها إلا نبي وجوابه لهم وتصديقهم إياه بأنه أصاب وتمردهم عن الإيمان به

روى ابن إسحاق والطيالسي والفريابي والإمام أحمد ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، والبيهقي ، وأبو نعيم عن غيرهم بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما ، والبخاري في تاريخه ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم من طريق آخر عنه مختصرا ، قال : "حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنها لا يعلمها إلا نبي . قال :

"سلوني عما شئتم ، ولكن اجعلوا لي ذمة الله عز وجل ، وما أخذ يعقوب على بنيه لئن حدثتكم شيئا لتبايعني" . قالوا : فذلك لك . قالوا : أربع خلال نسألك عنها : أخبرنا أي طعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء الرجل من ماء المرأة ، وكيف الأنثى منه والذكر؟ وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم ومن يليه من الملائكة؟ وأخبرنا ما هذا الرعد؟

فأخذ عليهم عهد الله وميثاقه : "لئن أخبرتكم لتبايعني" . فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق . قال :

فأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى : هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا طال سقمه فنذر لئن عافاه الله عز وجل ليحرمن أحب الطعام والشراب ، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل ، وأحب الشراب إليه ألبانها" ، وفي رواية : كان يسكن البادية ، فاشتكى عرق النسا ، فلم يجد شيئا يداويه إلا لحوم الإبل وألبانها . فقالوا : اللهم نعم ، اللهم اشهد . وقال : "أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو ، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ ، وأن ماء المرأة أصفر رقيق ، فأيهما علا كان الولد والشبه بإذن الله عز وجل : إن علا ماء الرجل كان ذكرا بإذن الله تعالى ، وإن علا ماء المرأة كان أنثى بإذن الله تعالى" . قالوا : اللهم نعم اللهم اشهد . قال : "فأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ، هل تعلمون أن النبي الأمي تنام عينه ولا ينام قلبه؟ قالوا : اللهم نعم اللهم اشهد .

قالوا : أنت الآن حدثنا من وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك أو نفارقك قال : "وليي جبريل ، ولم يبعث الله عز وجل نبيا قط إلا وهو وليه" . قالوا : فعندها نفارقك ، لو كان وليك سواه من الملائكة لاتبعناك وصدقناك . قال : "فما يمنعكم أن تصدقوني" ؟ قالوا : هذا عدونا من الملائكة .

فأنزل الله عز وجل :
قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله [البقرة 97] . ونزلت : فباءوا بغضب على غضب
[البقرة 90] . وفي رواية فقالوا : يا أبا القاسم نسألك عن خمسة أشياء . وذكر نحو ما تقدم . وزاد :

قالوا : أخبرنا عن هذا الرعد . قال : [ ص: 403 ] "ملك من ملائكة الله عز وجل ، موكل بالحساب ، بيده- أو قال : في يده- مخراق من نار يزجر به السحاب فيسوقه حيث أمره الله" . قالوا : فما هذا الصوت؟ قال : "صوته" . قالوا : صدقت .

وروى الإمام أحمد ، والبزار ، والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه أن يهوديا قال : يا محمد مم يخلق الإنسان؟ قال : "يا يهودي ، يخلق من كل من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة ، أما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب ، وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم" . فقال اليهودي : هكذا كان يقول من كان قبلك .

وروى الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، والحاكم وصححه ، والبيهقي ، وأبو نعيم عن صفوان بن عسال- بعين فسين مشددة مفتوحتين مهملتين- قال : "قال يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي فنسأله . فقال له صاحبه : لا تقل نبي ، فإنه لو سمعك تقول نبي كان له أربعة أعين ، فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن قول الله عز وجل : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات [الإسراء 101] فقال : "لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تزنوا ، ولا تسرقوا ، ولا تسحروا ، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان فيقتله ، ولا تأكلوا الربا ، ولا تقذفوا محصنة ، ولا تفروا من الزحف ، وعليكم يا معشر اليهود خاصة ألا تعدوا في السبت" .

فقبلا يديه ورجليه وقالا : "نشهد أنك نبي" . قال : "فما يمنعكما أن تسلما" ؟ فقالا : "إن داود دعا الله ألا يزال في ذريته نبي ، وإنا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا يهود" .


وروى مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء حبر من اليهود فقال : أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "في ظلمة دون الجسر" .

قال : فمن أول الناس إجازة؟ قال : "فقراء المهاجرين" . فقال : فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟

قال : "زيادة كبد نون" . قال : "فما غذاؤهم على أثره" ؟ قال : "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها" . قال : فما شرابهم عليه؟ قال : "من عين فيها تسمى سلسبيلا" . قال :

صدقت .

قال : وجئت أسأل عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان ، [ ص: 404 ] جئت أسأل عن الولد . قال : "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر ، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة فذكر بإذن الله عز وجل ، وإذا علا مني المرأة مني الرجل فأنثى بإذن الله عز وجل" .

قال اليهودي : صدقت وإنك لنبي . ثم انصرف . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنه سألني عن هذا الذي سألني عنه ، وما أعلم شيئا منه حتى أنبأني الله عز وجل"
.

وروى ابن أبي شيبة ، وأحمد بن منيع ، وعبد بن حميد ، والنسائي في "الكبرى" ، والطبراني بسند صحيح عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : جاء رجل من اليهود يقال له ثعلبة بن الحارث فقال : يا أبا القاسم أتزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ وقال اليهودي لأصحابه : إن أقر بها خصمته . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "تؤمن بشجر المسك" ؟ قال : نعم . قال :

"وتجدها في كتابكم" ؟ قال : نعم . قال : "والذي نفسي بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل إلى المطعم والمشرب والجماع" . فقال اليهودي : الذي يأكل ويشرب يكون له الحاجة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "حاجتهم عرق يفيض من جلودهم مثل ريح المسك ، فتضمر بطونهم"
.

وروى سعيد بن منصور وأبو يعلى ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والبزار ، والحاكم ، والبيهقي ، وابن جرير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم يهودي فقال :

يا محمد ، أخبرني عن النجوم التي رآها يوسف عليه السلام ساجدة له ما أسماؤها؟ فلم يجبه بشيء . فنزل عليه جبريل فأخبره [بأسمائها] . فبعث إلى اليهودي وقال له : "أتسلم إن أخبرتك بأسمائها" ؟ قال : نعم ، فقال : " [هي] : حرثان وطارق والذيال وذو الكنفات وذو الفرغ ووثاب وعمودان وقابس والضروج والمصبح والفليق والضياء والنور . رآها يوسف عليه السلام في أفق السماء ساجدة له" .

فقال اليهودي : هذه والله أسماؤها .
قال الحكم بن ظهير أحد رواته :

الضياء هو الشمس وهو أبوه ، والنور هو القمر وهي أمه . قال الحافظ في حاشية كتبها على "مجمع الزوائد" : رأيت في نسخة مصححة أنه من ضعفاء العقيلي .

بيان غريب ما سبق :

"حرثان" بمهملة مفتوحة ثم مثلثة .

"الذيال" : بمعجمة ثم تحتية ثقيلة . [ ص: 405 ]

"الكنفات" بنون ففاء وآخره مثناة .

"الفرغ" [بفاء وراء ثم غين معجمة] .

"عمودان" [بلفظ تثنية عمود] .

"قابس" : بقاف وموحدة ثم مهملة .

"الضروج" : بفتح الضاد المعجمة وآخره جيم .

"المصبح" : بضم الميم ثم فتح المهملة ثم موحدة مثقلة ثم مهملة .

"الفليق" : [بالفاء واللام والمثناة التحتية فقاف] . [ ص: 406 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية