سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
ذكر خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد

ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه السكب ، وتقلد القوس ، وأخذ قناة بيده ، والمسلمون عليهم السلاح ، منهم مائة دارع ، وخرج السعدان أمامه يعدوان : سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، كل منهما دارع ، والناس عن يمينه وشماله ، حتى إذا انتهى إلى رأس الثنية رأى كتيبة خشناء لها زجل فقال : ما هذا ؟ قالوا : هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبي من يهود ، فقال : أسلموا ؟ فقيل : لا ، فقال : إنا لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك .

[ ص: 187 ] وسار صلى الله عليه وسلم فعسكر بالشيخين ، وهما أطمان ، وعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكره ، فاستصغر غلمانا فردهم . قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فيما نقله الشيخ نجم الدين القمولي - بفتح القاف وضم الميم - في بحره : أنه صلى الله عليه وسلم رد سبعة عشر شابا عرضوا عليه ، وهم أبناء أربع عشرة سنة ، لأنه لم يرهم بلغوا ، وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة ، فأجازهم . انتهى .

وهم : عبد الله بن عمر ، وزيد بن ثابت ، وأسامة بن زيد ، والنعمان بن بشير - وفي ذكره نظر ، لأنه ولد في السنة الثانية قبل أحد بسنة - وزيد بن أرقم ، والبراء بن عازب - وروى السراج عنه أنه شهدها - ورافع بن خديج ، وأسيد بن ظهير - بضم الهمزة ، وأبوه ظهير بضم الظاء المعجمة - وعرابة بن أوس بن قيظي - بفتح القاف وسكون التحتية وبالظاء المعجمة المشالة ، وأوس هذا كان منافقا - وأبو سعيد الخدري - بالخاء المعجمة والدال المهملة - وأوس بن ثابت الأنصاري ، كذا رواه ابن فتحون عن ابن عمر بن الخطاب ، وسعد بن بحير - بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة ، قاله الدارقطني . وقال ابن سعيد : بضم الموحدة وكسر الجيم - ابن معاوية البجلي حليف الأنصار ، وسعيد ابن حبتة بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة بعدها مثناة فوقية مفتوحة فتاء تأنيث - وهي أمه ، ولما كان يوم الخندق رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل قتالا شديدا ، فدعاه ومسح على رأسه ودعا له بالبركة في نسله وولده ، فكان عما لأربعين ، وأخا لأربعين ، وأبا لعشرين ، ومن ولده أبو يوسف القاضي الإمام ، وسعد بن عقيب - بعين مهملة مضمومة فقاف مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فموحدة وزن زبير - وزيد بن جارية - بالجيم والمثناة التحتية - ابن عمرو بن عوف ، وهو أخو مجمع بن جارية ، وجابر بن عبد الله ، وليس بالذي يروى عنه الحديث . وسمرة بن جندب ، ثم أجاز رافع بن خديج لما قيل له : إنه رام ، فقال سمرة بن جندب لزوج أمه مري - بالتصغير - ابن سنان : أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن خديج وردني وأنا أصرعه ، فأعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «تصارعا » ، فصرع سمرة رافعا فأجازه ، ونزل عبد الله بن أبي ابن سلول ناحية ، فلما فرغ العرض وغابت الشمس أذن بلال بالمغرب ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ، ثم أذن بالعشاء فصلى بهم ، وبات بالشيخين ، واستعمل على الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين رجلا يطوفون بالعسكر . وقال صلى الله عليه وسلم : «من يحفظنا الليلة ؟ » فقام ذكوان بن عبد قيس فلبس درعه ، وأخذ درقته ، فكان يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفارقه ، ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان السحر ، فصلى الصبح ، ثم قال : «أين الأدلاء ؟ من رجل يخرج بنا من كثب لا يمر بنا عليهم ؟ » فقام أبو خيثمة الحارثي - كذا عند ابن إسحاق بخاء معجمة فتحتية فثاء مثلثة ، وعند ابن سعد وغيره : حتمة ، بفتح الحاء المهملة والمثناة الفوقية بعدها ميم فتاء تأنيث ، وصوبه أبو الفتح .

[ ص: 188 ] قال الحافظ في الإصابة : ولم يأت على ذلك بدليل إلا قول أبي عمر : ليس في الصحابة أبي خيثمة سوى الجعفي والسالمي ، وفي هذا الحصر نظر - فقال أبو خيثمة : أنا يا رسول الله ، فسلك به في حرة بني حارثة وبين أموالهم ، حتى سلك في ماء مربع - بكسر الميم وفتح الموحدة - ابن قيظي - بفتح القاف فمثناة تحتية فظاء معجمة مشالة - وكان منافقا ضرير البصر ، فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين قام يحثو التراب في وجوههم ، ويقول : إن كنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي ، وذكر أنه أخذ حفنة من تراب في يده ، ثم قال : والله لو أعلم أني لا أصيب غيرك فضربت بها وجهك . فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر » . وقد بدر إليه سعد بن زيد الأشهلي قبل نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضربه بالقوس فشجه ، فغضب له ناس من بني حارثة وهم قومه ، وكانوا على مثل رأيه ، فهم بهم أسيد بن حضير حتى أومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكف . وذب فرس أبي بردة بن نيار - بكسر النون وتخفيف المثناة التحتية وآخره راء - بذنبه ، فأصاب كلاب سيفه فاستله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يحب الفأل الحسن ولا يعتاف : «يا صاحب السيف ، شم سيفك ، إني أخال السيوف ستسل اليوم فيكثر سلها » .

التالي السابق


الخدمات العلمية