سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
ذكر رجوع المشركين إلى مكة

قال ابن إسحاق ومحمد بن عمر وغيرهما : لما تحاجز الفريقان أراد أبو سفيان الانصراف ، فأقبل على فرس حتى أشرف على المسلمين في عرض الجبل فنادى بأعلى صوته : أفي القوم محمد ؟ ثلاثا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تجيبوه » ، فقال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تجيبوه » ، فقال : أفي القوم ابن الخطاب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تجيبوه » ، ولم يسأل عن هذه الثلاثة إلا لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم ، فقال أبو سفيان بعد أن رجع إلى أصحابه : إن هؤلاء قد قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا ، فلم يملك عمر نفسه !

وفي حديث ابن عباس وعند الإمام أحمد والطبراني والحاكم : أن عمر بن الخطاب قال : يا رسول الله ، ألا أجيبه ؟ قال : «بلى » . قال في الفتح : كأنه نهى عن إجابته في الأول وأذن فيها في الثالثة ، فقال عمر : كذبت يا عدو الله ، قد أبقى الله لك ما يخزيك ، إن الذين عددت لأحياء كلهم ، فقال أبو سفيان : اعل هبل ، وأظهر دينك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب : «قم يا عمر فأجبه » ، فقال : الله أعلى وأجل ، فقال أبو سفيان : اعل هبل ، وأظهر دينك ، فقال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، ألا إن الأيام دول ، وإن الحرب سجال ، وفي لفظ : سمال .


فيوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر

[ ص: 221 ] وحنظلة بحنظلة ، وفلان بفلان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : «قل : لا سواء ،
قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار » ، فقال أبو سفيان : إنكم لتقولون ذلك ، لقد خبنا إذن وخسرنا ، لنا العزى ولا عزى لكم ، فقال رسول الله لعمر ، قل : «الله مولانا ولا مولى لكم » ، فقال أبو سفيان : إنها قد أنعمت فعال عنها ، هلم يا عمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : «ائته فانظر ما شأنه » ، فجاءه ، فقال أبو سفيان : أنشدك بالله يا عمر ، أقتلنا محمدا ؟ قال : اللهم لا ، وإنه ليسمع كلامك الآن ، قال : أنت أصدق من ابن قمئة وأبر - لقول ابن قمئة لهم : إني قتلت محمدا - ثم قال أبو سفيان : ورفع صوته : إنكم واجدون في قتلاكم مثلا ، والله ما رضيت ولا نهيت ولا أمرت ، إلا أن موعدكم بدر الصفراء على رأس الحول ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل : «نعم بيننا وبينكم موعد »
.

وانصرف أبو سفيان إلى أصحابه وأخذ في الرحيل ، فأشفق رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من أن يغير المشركون على المدينة ، فتهلك الذراري والنساء .

قال ابن إسحاق : فبعث عليا - وقال عروة . ومحمد بن عمر ، وابن عائذ : سعد بن أبي وقاص - لينظر ، فقال : إن ركبوا الإبل وجنبوا الخيل فهو الظعن وإن ركبوا الخيل وجنبوا الإبل فإنهم يريدون المدينة ، فهي الغارة ، والذي نفسي بيده لئن ساروا إليها لأسيرن إليهم ، ثم لأناجزنهم . فسار علي أو سعد وراءهم إلى العقيق فإذا هم قد ركبوا الإبل وجنبوا الخيل بعد ما تشاوروا في نهب المدينة ، فقال صفوان بن أمية - وأسلم بعد ذلك - : لا تفعلوا ، لا تدرون ما يغشاكم ، فعاد فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقدم أبو سفيان مكة ، فلم يصل إلى بيته حتى أتى هبل فقال : أنعمت ونصرتني ، وشفيت نفسي من محمد ومن أصحابه ، وحلق رأسه .

التالي السابق


الخدمات العلمية