سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
ذكر إخباره صلى الله عليه وسلم بموت كبير من المنافقين وإخباره عن موضع ناقته حين فقدت وبما قاله بعض أهل النفاق

روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر ، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح تكاد تدفن الراكب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعثت هذه الريح لموت منافق .

فلما قدمنا المدينة أذن : قد مات عظيم من عظماء المنافقين
.

قال محمد بن عمر : لما سرح الناس ظهرهم أخذتهم ريح شديدة حتى أشفق الناس منها وقالوا : لم تهج هذه الريح إلا لأمر قد حدث ، وإنما بالمدينة الذراري والصبيان ، وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وعيينة بن حصن مدة ، وكان ذلك حين انقضائها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ليس عليكم فيها بأس ، ما بالمدينة من نقب إلا عليه ملك يحرسه ، وما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها ، ولكن مات اليوم بالمدينة منافق عظيم النفاق ، فلذلك عصفت هذه الريح ، وكان موته للمنافقين غيظا شديدا ، وهو زيد بن رفاعة بن التابوت ، مات ذلك اليوم ، كان كهفا للمنافقين» .

وروى محمد بن عمر ، عن جابر رضي الله عنه قال : كانت الريح [يومئذ] أشد ما كانت قط إلى أن زالت الشمس ، ثم سكنت آخر النهار ، وذكر أهل المدينة أنهم وجدوا مثل ذلك من شدة الريح حتى دفن عدو الله فسكنت الريح .

وقال محمد بن عمر : حدثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه : قال عبادة بن الصامت يومئذ لابن أبي : يا أبا الحباب ، مات خليلك ؟ قال : أي خليل ؟ قال : من موته فتح للإسلام وأهله ، قال : من ؟ قال زيد بن رفاعة بن التابوت ، قال : يا ويلاه ، كان والله وكان ! فقال عبادة :

اعتصمت والله بالذنب الأبتر ، قال : من أخبرك يا أبا الوليد بموته ؟ قال : قلت : رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنه مات هذه الساعة . فسقط في يديه ، وانصرف كئيبا حزينا
.

وروى ابن إسحاق والبيهقي وأبو نعيم عن موسى بن عقبة ، وعروة وابن إسحاق عن محمد بن عمر عن ابن رومان وعاصم بن عمر بن قتادة واللفظ لابن عمر قالوا : فقدت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء من بين الإبل ، فجعل المسلمون يطلبونها في كل وجه ، فقال زيد بن اللصيت ، وكان منافقا وهو في جماعة من الأنصار ، منهم عباد بن بشر بن وقش ، وسلمة بن سلامة بن وقش ، وأسيد بن حضير ، فقال : أين يذهب هؤلاء في كل وجه ؟ قالوا :

يطلبون ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضلت ، قال : أفلا يخبره الله بمكانها ؟ فأنكر عليه القوم ، فقالوا : [ ص: 352 ] قاتلك الله ، يا عدو الله ، نافقت . ثم أقبل عليه أسيد بن حضير فقال : والله لولا أني لا أدري ما يوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك لأنفذت خصيتك بالرمح يا عدو الله فلم خرجت معنا وهذا في نفسك ؟ قال : خرجت لأطلب من عرض الدنيا ، ولعمري إن محمدا ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة ، يخبرنا عن أمر السماء . ووقعوا به جميعا ، وقالوا : والله لا يكون منك سبيل أبدا ، ولا يظلنا وإياك ظل أبدا ، ولو علمنا ما في نفسك ما صحبتنا [ساعة من نهار] فوثب هاربا منهم أن يقعوا به ، ونبذوا متاعه ، فعمد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس معه فرارا من أصحابه متعوذا به ،

وقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما قال من السماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنافق يسمع : «إن رجلا من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، وقال : «ألا يخبره الله بمكانها ؟ ، فلعمري إن محمدا ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة» ، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى ، وإن الله تعالى قد أخبرني بمكانها ، وإنها في هذا الشعب مقابلكم ، قد تعلق زمامها بشجرة ، فاعمدوا نحوها

.

فذهبوا فأتوا بها من حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما نظر المنافق إليها سقط في يده ، فقام سريعا إلى رفقائه الذين كانوا معه ، فإذا رحله منبوذ ، وإذا هم جلوس لم يقم رجل منهم من مجلسه ، فقالوا له حين دنا : لا تدن منا ! فقال : أكلمكم ، فدنا فقال : أنشدكم الله- وفي لفظ :

أذكركم الله- هل أتى أحد منكم محمدا فأخبره بالذي قلت ؟ قالوا : لا ، والله ، ولا قمنا من مجلسنا ، قال : فإني قد وجدت عند القوم ما تكلمت به ، وتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأخبرهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه قد أتي بناقته ، وقال : إني قد كنت في شك من شأن محمد ، فأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكأني لم أسلم إلا اليوم . قالوا : فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك . فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستغفر له ، واعترف بذنبه . قال ابن عمر : ويقال : إنه لم يزل فشلا حتى مات ، وصنع مثل هذا في غزوة تبوك
.

ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي العقيق تقدم عبد الله بن عبد الله بن أبي ، فجعل يتصفح الركاب حتى مر أبوه ، فأناخ به ، ثم وطئ على يد راحلته فقال أبوه : ما تريد يا لكع ؟

قال : والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لتعلم أيهما الأعز من الأذل : أنت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فمن مر به من المسلمين يرفده عبد الله بن عبد الله ويمنع غير ذلك ، فيقول :

تصنع هذا بأبيك ؟ !

حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه ، فقيل : عبد الله بن عبد الله بن أبي يأبى أن يأذن لأبيه حتى تأذن له ، فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله واطئ على يد راحلة أبيه ، وابن أبي يقول : لأنا أذل من الصبيان ، لأنا أذل من النساء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خل عن أبيك» ، فخلى عنه
.

ولما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنقيع- وهو بالنون- منصرفه من المريسيع ورأى سعة وكلأ . [ ص: 353 ]

وغدرانا كثيرة ، فسأل عن الماء ، فقيل : يا رسول الله إذا صفنا قلت المياه ، وذهبت الغدر ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة أن يحفر بئرا ، وأمر بالنقيع أن يحمى ، واستعمل عليه يومئذ بلال بن الحارث المزني- بضم الميم وفتح الزاي وقبل ياء النسب نون- فقال بلال : يا رسول الله وكم أحمي منه ؟ فقال : أقم رجلا صيتا إذا طلع الفجر ، ثم أقمه على هذا الجبل- يعني مقملا- فحيث انتهى صوته فاحمه لخيل المسلمين وإبلهم التي يغزون عليها ، فقال بلال : يا رسول الله ، أفرأيت ما كان من سوائم المسلمين ؟ فقال : «لا يدخلها» ، قلت : يا رسول الله أرأيت المرأة والرجل الضعيف تكون له الماشية اليسيرة وهو يضعف عن التحول ؟

قال : «دعه يرعى»
.

التالي السابق


الخدمات العلمية