سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
ذكر الآيات التي وقعت عند ظهور الصخرة في الخندق

روى الإمام أحمد والشيخان وغيرهم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، والإمام أحمد بسند جيد عن البراء بن عازب ، وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمرو بن عوف ، وأبو نعيم عن أنس ، والحارث والطبراني عن ابن عمر ، والطبراني بسند جيد ، عن ابن عباس ، والبيهقي وأبو نعيم من طريقين عن ابن شهاب ، ومحمد بن عمر عن شيوخه ، وابن إسحاق عن شيوخه :

أن المسلمين عرض لهم في بعض الخندق صخرة ، وفي لفظ كدية عظيمة شديدة بيضاء مدورة ، لا تأخذ فيها المعاول ، فكسرت حديدهم ، وشقت عليهم ، وفي حديث عمرو بن عوف : أنها عرضت لسلمان .

وذكر محمد بن عمر أنها تعرضت لعمر بن الخطاب ، فشكوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة تركية فقال : أنا نازل ، ثم قام ، وبطنه معصوب بحجر من الجوع ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا ، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ، ثم دعا بما شاء الله أن [ ص: 368 ]

يدعو به ، ثم نضح من ذلك الماء عليها ، فيقول من حضرها : والذي بعثه بالحق إنها عادت كالكثيب المهيل ما ترد فأسا ولا مسحاة ، فأخذ المعول من سلمان ، وقال : «بسم الله» ، وضرب ضربة فكسر ثلثها ، وبرقت برقة فخرج نور من قبل اليمن فأضاء ما بين لابتي المدينة حتى كأن مصباحا في جوف ليل مظلم ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : «أعطيت مفاتيح اليمن ، إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة ، كأنها أنياب الكلاب» ، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر ، وبرق منها برقة فخرج نور من قبل الروم فأضاء ما بين لابتي المدينة فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أعطيت مفاتيح الشام ، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني الساعة» . ثم ضرب الثالثة فقطع بقية الحجر وبرق برقة من جهة فارس أضاءت ما بين لابتي المدينة ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : «أعطيت مفاتيح فارس ، والله إني لأبصر قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب من مكاني هذا ، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ، فأبشروا بالنصر» . فاستسر المسلمون ، وقالوا : الحمد لله موعد صادق ، بأن وعدنا النصر بعد الحصر ، وجعل يصف لسلمان ، فقال سلمان : صدقت يا رسول الله ، هذه صفته ، أشهد أنك رسول الله .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هذه فتوح يفتحها الله تعالى بعدي يا سلمان ، لتفتحن الشام ، ويهرب هرقل إلى أقصى مملكته ، وتظهرون على الشام فلا ينازعكم أحد ، وليفتحن هذا المشرق ، ويقتل كسرى فلا يكون كسرى بعده»
.

قال سلمان : فكل هذا قد رأيت .

قال أبو هريرة- فيما رواه ابن إسحاق - حين فتحت هذه الأمصار زمان عمر ، وزمان عثمان ومن بعده : «افتحوا ما بدا لكم ، فوالذي نفس أبي هريرة بيده ما فتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله تعالى محمدا مفاتيحها قبل ذلك» .

فقال المنافقون : يخبركم محمد أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق ، ولا تستطيعون أن تبرزوا ، فأنزل الله تبارك وتعالى :

وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا
[الأحزاب : 12] .

التالي السابق


الخدمات العلمية