سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

صفحة جزء
ذكر ما أنزل الله تبارك وتعالى في شأن هذه الغزوة من سورة الأحزاب

يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود من الكفار فتحزبوا أيام حفر الخندق فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ملائكة وكان الله بما تعملون بالتاء من حفر الخندق وبالياء من تخريب المشركين بصيرا إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم من أعلى الوادي ومن أسفله ، من المشرق والمغرب وإذ زاغت الأبصار مالت عن كل شيء إلا عدوها من كل جانب وبلغت القلوب الحناجر جمع حنجرة ، وهي منتهى الحلقوم من شدة الخوف وتظنون بالله الظنونا المختلفة بالنصر واليأس هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا

من شدة الفزع واذكر إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ضعف اعتقاد ما وعدنا الله ورسوله بالنصر إلا غرورا باطلا . وإذ قالت طائفة منهم أي المنافقون يا أهل يثرب هي المدينة ولم تنصرف للعلمية ووزن الفعل لا مقام لكم بضم الميم وفتحها أي لا إقامة ولا مكانة فارجعوا إلى منازلكم من المدينة ، وكانوا خرجوا مع النبي إلى سلع : جبل خارج المدينة ، للقتال ويستأذن فريق منهم النبي في الرجوع يقولون إن بيوتنا عورة غير حصينة نخشى عليها . قال تعالى : وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا من القتال ولو دخلت عليهم أي المدينة من أقطارها نواحيها ثم سئلوا أي سألهم الداخلون الفتنة الشرك لآتوها بالمد والقصر أي أعطوها وفعلوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا عن الوفاء به قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا إن فررتم لا تمتعون في الدنيا بعد فراركم إلا قليلا بقية آجالكم قل من ذا الذي يعصمكم يجيركم من الله إن أراد بكم سوءا هلاكا وهزيمة أو يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم رحمة خير . [ ص: 392 ]

ولا يجدون لهم من دون الله أي غيره وليا ينفعهم ولا نصيرا يدفع الضر عنهم قد يعلم الله المعوقين المثبطين منكم والقائلين لإخوانهم هلم تعالوا إلينا ولا يأتون البأس القتال إلا قليلا رياء وسمعة أشحة عليكم وبالمعاونة جمع شحيح وهو حال من ضير يأتون فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي كنظر أو كدوران الذي يغشى عليه من الموت أي سكراته فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنائم سلقوكم آذوكم وضربوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أي الغنيمة يطلبونها أولئك لم يؤمنوا حقيقة فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك الإحباط على الله يسيرا بإرادته يحسبون الأحزاب من الكفار لم يذهبوا إلى مكة لخوفهم منهم وإن يأت الأحزاب كرة أخرى يودوا لو أنهم بادون في الأعراب أي كائنون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم أخباركم مع الكفار ولو كانوا فيكم هذه الكرة ما قاتلوا إلا قليلا رياء وخوفا عن التعبير لقد كان لكم في رسول الله أسوة بكسر الهمزة وضمها حسنة اقتداء به في القتال والثبات في مواطنه لمن بدل من لكم كان يرجو الله يخافه واليوم الآخر وذكر الله كثيرا بخلاف من ليس كذلك ولما رأى المؤمنون الأحزاب من الكفار قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والنصر وصدق الله ورسوله في الوعد وما زادهم ذلك إلا إيمانا تصديقا بوعد الله وتسليما لأمره .

من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه من الثبات مع النبي فمنهم من قضى نحبه مات أو قتل في سبيل الله ومنهم من ينتظر ذلك وما بدلوا تبديلا في العهد وهم بخلاف حال المنافقين ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء بأن يميتهم على نفاقهم أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا لمن تاب رحيما به ورد الله الذين كفروا أي الأحزاب بغيظهم لم ينالوا خيرا مرادهم من الظفر بالمؤمنينوكفى الله المؤمنين القتال بالريح والملائكة وكان الله قويا على إيجاد ما يريده عزيزا [الأحزاب من 9 : 25] غالبا على أمره .

التالي السابق


الخدمات العلمية