صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

850 - شيبان الراعي .

حج معه سفيان الثوري ، فلقيا سبعا ، فعرك شيبان أذنه وقال: لولا مكان الشهرة ما وضعت زادي إلا على ظهره .

أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي قالا: أخبرنا حمد بن أحمد قال:

أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد بن سليمان الهروي قال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن نصر ، عن محمد بن يزيد ، عن محمد بن حمزة الربضي قال: كان شيبان الراعي إذا أجنب وليس عنده ماء دعا ربه ، فجاءت سحابة فأظلته فاغتسل منها ، وكان يذهب إلى الجمعة فيخط على غنمه فيجيء فيجدها لم تتحرك .

851 - عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وهو أبو جعفر المنصور .

روى علي بن محمد بن سليمان النوفلي ، عن أبيه قال: كان المنصور لا يستمرئ طعامه ويشكو إلى المتطببين ويسألهم أن يتخذوا له الجوارشنات ، وكانوا يكرهون ذلك ويأمرونه أن يقل من الطعام ، ويخبرونه أن الجوارشنات تهضم ، ولكنها تحدث من العلل ما هو أشد عليه . فقال كثير - وكان من قطيبي العراق - لا يموت أبو جعفر إلا بالبطن ، فقلت له: وما علمك؟ فقال: هو يأخذ الجوارشن فيهضم طعامه ويحلق من رأس معدته كل يوم شيئا وشحم مصارينه فيموت ببطنه ، وقال: أضرب لذلك مثلا أرأيت لو أنك وضعت جرة في موضع [وضعت] تحتها آجرة جديدة فقطرت إنما كان قطرها يثقب الآجرة على طول الدهر ، فمات بالبطن . [ ص: 220 ]

وقال بعضهم: كان بدو وجعه الذي مات فيه من حر أصابه من ركوبه في الهواجر ، وكان رجلا محرورا .

أخبرنا محمد بن أبي منصور قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا أبو بكر المنكدري قال: أخبرنا ابن الصلت قال: أخبرنا أبو بكر بن الأنباري قال: حدثنا محمد بن أحمد المقدمي قال: حدثنا أبو محمد التميمي قال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال: حدثنا أبو سهل الحاسب قال: حدثني طيفور قال: كان سبب إحرام المنصور من مدينة السلام أنه نام ليلة فانتبه فزعا ، ثم عاود النوم فانتبه فزعا ، ثم راجع النوم فانتبه فزعا فقال: يا ربيع ، قال: لبيك يا أمير المؤمنين ، قال: لقد رأيت في منامي عجبا قال: ما رأيت جعلني الله فداك؟ قال: رأيت كأن آتيا أتاني فهيم بشيء لم أفهمه ، فانتبهت فزعا ، ثم عاودت النوم فعاودني يقول ذلك الشيء ، ثم عاودني بقوله ، حتى فهمته وحفظته وهو:


كأني بهذا القصر قد باد أهله وعري منه أهله ومنازله     وصار رئيس القوم من بعد بهجة
إلى جدث يبنى عليه جنادله

وما أحسبني يا ربيع إلا وقد حانت [وفاتي] ، وحضر أجلي ، وما لي غير ربي ، قم فاجعل لي غسلا ، ففعلت فقام فاغتسل وصلى ركعتين وقال: أنا عازم على الحج .

فهيأنا آلة الحج ، فخرج وخرجنا حتى إذا انتهى إلى الكوفة نزل النجف ، فأقام أياما ، ثم أمر بالرحيل فتقدمت نوابه وجنده ، وبقيت أنا وهو في القصر وشاكريته بالباب ، فقال لي:

يا ربيع جئني بفحمة من المطبخ ، وقال لي: اخرج فكن مع دابتي إلى أن أخرج ، فلما خرج وركب ، رجعت إلى المكان كأني أطلب شيئا ، وإذا قد كتب على الحائط بالفحمة شعرا:


المرء يهوى أن يعيش وطول عيش قد يضره     تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مره
وتصرف الأيام حتى ما يرى شيئا يسره     كم شامت بي إن هلكت وقائل لله دره

[ ص: 221 ]

أخبرنا ابن ناصر قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا الشريف أبو بكر المنكدري قال: أخبرنا أبو الحسن بن الصلت قال: أخبرنا أبو بكر بن الأنباري قال:

حدثني أبي قال: حدثنا أبو عبد الله المطبخي قال: حدثنا أبو إسحاق الجيلي قال: لما حج المنصور في آخر عمره دخل على بعض المنازل بطريق مكة ، فرأى كتابة على الحائط فقرأها ، فإذا هي :


أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت     سنوك وأمر الله لا بد واقع
أبا جعفر هل كاهن أو منجم     لك اليوم عن حر المنية دافع

أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: حدثنا محمد بن أحمد البراء قال: حدثني أحمد بن هشام قال: قال الربيع: بينا أنا مع أبي جعفر المنصور في طريق مكة تبرز ونزل يقضي حاجته ، فإذا الريح قد ألقت إليه رقعة فيها مكتوب:


أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت     سنوك وأمر الله لا بد واقع
[أبا جعفر هل كاهن أو منجم     لك اليوم عن حر المنية دافع]

قال: فناداني: يا ربيع تنعى إلي نفسي في رقعة؟ قلت: لا والله ما أعرف رقعة ، ولا أدري ما هي؟ قال: فما رجع من وجهه حتى مات .

قال ابن البراء: ومات ببئر ميمون ، وهو محرم ، فدفن مكشوف الوجه لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة ، وكان عمره ثلاثا وستين سنة ، وخلافته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وثمانية أيام .

قال مؤلف الكتاب رحمه الله تعالى: وقد اختلفوا في مقدار عمره على [ ص: 222 ] خمسة أقوال: أحدها: ثلاث وستون سنة كما ذكرنا ، والثاني: ثلاث وستون وشهور ، الثالث: أربع وستون ، والرابع: خمس وستون . والخامس: ثمان وستون . واتفقوا على أن مدة خلافته اثنان وعشرون سنة تنقص أياما .

وفي ذلك المقدار الناقص خمسة أقوال: أحدها: اثنان وعشرون يوما . والثاني:

أربعة وعشرون يوما ، والثالث: ثلاثة أيام ، والرابع: سبعة أيام . والخامس: يومان .

قالوا: ودفن في المقبرة التي عند بلبة المدينتين التي تسمى كدا ، وتسمى المعلاة ، لأنها بأعلى مكة .

852 - عبد الله بن عياش بن عبد الله ، أبو الجراح الهمداني الكوفي . ويعرف بالمنتوف .

أخبرنا القزاز قال: أخبرنا الخطيب قال: حدث ابن عياش ، عن الشعبي ، وروى عنه الهيثم بن عدي ، وكان راوية للأخبار والآداب . وكان من صحابة أبي جعفر المنصور ، ونزل بغداد في دور الصحابة ناحية شط الصراة ، قال: ويقال: إن دجلة مدت وأحاط الماء بداره ، فركب المنصور ينظر إلى الماء ، وابن عياش معه ، فرأى داره وسط الماء ، فقال: لمن هذه الدار قال: لوليك يا أمير المؤمنين ، فقال المنصور :

وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ، فقال له ابن عياش وكان جريئا عليه: ما أظن أمير المؤمنين يحفظ من القرآن آية غيرها ، فضحك منه وأمر له بصلة .

أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الجوهري قال: حدثنا محمد بن العباس قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكيمي قال: حدثنا ميمون بن هارون قال: حدثني الوضاح بن حبيب بن يزيد التميمي ، عن أبيه قال: كنت يوما عند المنصور وعبد الله بن عياش المنتوف وعبد الله بن الربيع الحارثي ، وإسماعيل بن خالد بن عبد الله القسري ، وكان المنصور ولى سلم بن قتيبة البصرة ، وولى مولى له كور البصرة والأبلة ، فورد الكتاب من مولى أبي جعفر يخبر أن سلما ضربه بالسياط ، فاستشاط أبو جعفر ، وضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: علي يجترئ سلم ، والله لأجعلنه نكالا وعظة ، وجعل يقرأ كتبا بين [ ص: 223 ] يديه ، قال: فرفع ابن عياش رأسه - وكان من أجرئنا عليه - فقال: يا أمير المؤمنين ، لم يضرب سلم مولاك بقوته ولا قوة ابنه ولكنك قلدته سيفك ، وأصعدته منبرك ، وأراد مولاك أن يطأطئ من سلم ما رفعت ، ويفسد ما صنعت ، فلم يحتمل له ذلك ، يا أمير المؤمنين إن غضب العربي في رأسه ، فإذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسانه أو يده ، وإن غضب النبطي في استه ، فإذا خري ذهب غضبه ، فضحك أبو جعفر ، وقال: قبحك الله يا منتوف . وكف عن سلم .

توفي المنتوف في هذه السنة .

853 - الأسود المكي .

أخبرنا محمد بن ناصر قال: أخبرنا جعفر بن أحمد السراج قال: أخبرنا عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الضراب ، قال: أخبرني أبي قال: حدثنا أحمد بن مروان بن المالكي قال: حدثنا سليمان بن الحسن قال: حدثني أبي قال: قال ابن المبارك: قدمت مكة فإذا الناس قد قحطوا من المطر وهم يستسقون في المسجد الحرام ، وكنت في الناس مما يلي باب بني شيبة ، إذ أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش ، قد ائتزر بإحداهما ، وألقى الأخرى على عاتقه ، فصار في موضع خفي إلى جانبي ، فسمعته يقول: إلهي أخلقت الوجوه كثرة الذنوب ومساوئ الأعمال ، وقد منعتنا غيث السماء لتؤدب الخليقة بذلك ، فأسألك يا حليما ذا أناة ، يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل ، اسقهم الساعة الساعة . قال ابن المبارك: فلم يزل يقول الساعة الساعة حتى استوت بالغمام ، وأقبل المطر من كل مكان ، وجلس مكانه يسبح ، وأخذت أبكي ، فلما قام تبعته حتى عرفت موضعه ، فجئت إلى فضيل بن عياض فقال لي: ما لي أراك كئيبا؟ فقلت: سبقنا إلى الله غيرنا ، فتولاه دوننا ، قال: وما ذاك؟ فقصصت عليه القصة ، فصاح وسقط وقال: ويحك يا ابن المبارك خذني إليه ، قلت: قد ضاق الوقت ، وسأبحث عن شأنه . فلما كان من الغد صليت الغداة ، وخرجت إلى الموضع فإذا شيخ على [ ص: 224 ] الباب قد بسط له وهو جالس ، فلما رآني عرفني وقال: مرحبا بك يا عبد الرحمن ، حاجتك . فقلت له: احتجت إلى غلام أسود . فقال: نعم عندي عدة ، فاختر أيهم شئت؟ فصاح يا غلام ، فخرج غلام جلد ، فقال: هذا محمود العاقبة ، أرضاه لك ، فقلت: ليس هذا حاجتي ، فما زال يخرج إلي واحدا واحدا حتى أخرج إلي الغلام ، فلما أبصرت به بدرت عيناي ، فقال: هذا هو؟ قلت: نعم ، فقال ليس إلى بيعه سبيل ، قلت: ولم؟ قال: قد تبركت لموضعه في هذه الدار وذاك أنه لا يزرأني شيئا ، قلت: ومن أين طعامه؟ قال: يكسب من قبل الشريط نصف دانق أو أقل أو أكثر فهو قوته ، فإن باعه في يومه وإلا طوى ذلك اليوم . وأخبرني الغلمان عنه أنه لا ينام هذا الليل الطويل ، ولا يختلط بأحد منهم مشغول بنفسه ، وقد أحبه قلبي ، فقلت له: أنصرف إلى سفيان الثوري وإلى فضيل بن عياض بغير قضاء حاجة؟ فقال: إن ممشاك عندي كبير ، خذه بما شئت . قال: فاشتريته وأخذت نحو دار فضيل ، فمشيت ساعة ، فقال لي: يا مولاي ، قلت: لبيك ، قال: لا تقل لي لبيك ، فإن العبد أولى أن يلبي المولى ، قلت: حاجتك يا حبيبي . قال: أنا ضعيف البدن ، لا أطيق الخدمة ، وقد كان لك في غيري سعة ، قد أخرج إليك من هو أجلد مني ، فقلت: لا يراني الله وأنا أستخدمك ، ولكني أشتري لك منزلا وأزوجك وأخدمك أنا بنفسي ، قال: فبكى ، فقلت: ما يبكيك؟

قال: أنت لم تفعل في هذا إلا وقد رأيت بعض متصلاتي بالله تعالى ، وإلا فلم اخترتني من بين الغلمان؟ فقلت له: ليس بك حاجة إلى هذا ، فقال لي: سألتك بالله إلا أخبرتني ، فقلت: بإجابة دعوتك ، فقال لي: إني أحسبك إن شاء الله رجلا صالحا ، إن لله عز وجل خيرة من خلقه لا يكشف شأنهم إلا لمن أحب من عباده ولا يظهر عليهم إلا من ارتضى ، ثم قال لي: ترى أن تقف علي قليلا ، فإنه قد بقيت علي ركعات من البارحة .

قلت: هذا منزل فضيل قريب . قال: لا . هاهنا أحب إلي ، أمر الله عز وجل لا يؤخر فدخل من باب الباعة إلى المسجد فما زال يصلي حتى إذا أتى على ما أراد التفت إلي فقال: يا أبا عبد الرحمن ، هل من حاجة؟ قلت: ولم؟ قال: لأني أريد الانصراف ، [ ص: 225 ] قلت: إلى أين؟ قال: إلى الآخرة . قلت: لا تفعل ، دعني أسر بك . فقال لي: إنما كانت تطيب الحياة حيث كانت المعاملة بيني وبينه تعالى فأما إذا اطلعت عليها أنت فسيطلع عليها غيرك فلا حاجة لي في ذلك ، ثم خر لوجهه ، فجعل يقول: إلهي اقبضني إليك الساعة الساعة . فدنوت منه فإذا هو قد مات . فوالله ما ذكرته قط إلا طال حزني وصغرت الدنيا في عيني . [ ص: 226 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية