صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

961 - إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة ، أبو هاشم الحميري .

يلقب : السيد ، كان شاعرا مجيدا ، لكنه أفرط في سب الصحابة ، وقذف أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يقول بإمامة محمد بن الحنفية ، ويقول : إنه مقيم بجبل رضوى ، وإنه لم يمت .

ومن شعره في ذلك :


ألا قل للوصي فدتك نفسي أطلت بذلك الجبل المقاما     أضر بمعشر والوك منا
وسموك الخليفة والإماما     وعادوا فيك أهل الأرض طرا
مقامك فيهم ستين عاما     وما ذاق ابن خولة طعم موت
ولا وارت لنا أرض عظاما     لقد أمسى بمورق شعب رضوى
تراجعه الملائكة الكلاما     هدانا الله إذ حرتم لأمر
به وارثه يلتمس التماما     تمام مودة المهدي حتى
تروا آياتنا تترى نظاما



وكان الحميري يشرب الخمر ، ويقول بالرجعة ، فقال لرجل : تعطيني دينارا [ ص: 40 ] بمائة دينار إلى الرجعة ؟ فقال : نعم ، إن وثقت لي بمن يضمن لي أنك ترجع إنسانا ، إنما أخشى أن ترجع كلبا أو خنزيرا فيذهب مالي .

قال الأصمعي لما سمع شعره : قاتله الله ، ما أطبعه وأسلكه طريق الشعراء ، والله لولا ما في شعره من سب السلف ما قدمت عليه من طبقته أحدا .

وذكر القاضي أبو بكر محمد بن الطيب قال : كان السيد الحميري يزعم أن جهنم بحضرموت وبوادي برهوت .

وقال في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما يصف عداءهما عنده :


أمست عظامهما بطيبة للبلى     وبحضرموت شرها روحاهما



وقال في ذم سيدتنا عائشة رضي الله عنها :


أعائش إنك في المحدثات     وفي المحدثين بوادي اليمن
ببرهوت تسقين من مائها     شرابا كريها شديد الأسن



قال : وكان شديد اللهج بسب سيدتنا عائشة وسيدتنا حفصة رضي الله عنهما ، وقال في ذلك :


جاءت مع الأشقين في هودج     تزجي إلى البصرة أجنادها
كأنها في فعلها حية     تريد أن تأكل أولادها



قال : وكان يقصد قذف حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعظائم .

ذكر أبو الفرج الأصفهاني أنه قال - يعني [في - ] عائشة وحفصة :


إحداهما نمت عليه حديثه     وبغت عليه بغية إحداهما
[ ص: 41 ] فهما اللتان سمعت رب محمد     في الذكر قص على العباد نباهما



[قال المصنف ] : وإنما يذكر العلماء ذلك لتعرف هذا اللعين وغوره في الكفر .

واختلفوا أين مات لعنه الله ، فقيل : بواسط ، أخذه كرب فجلس قبل موته فقال : اللهم هذا كان جزائي لحب آل محمد ، فمات فلم يدفنوه لكفره وسبه الصحابة رضي الله عنهم .

وقيل : بل توفي ببغداد ، واسود وجهه قبل موته ، فأفاق من سكرته وفتح عينيه وقال : يا أمير المؤمنين ، تفعل هذا لوليك ؟ قالها ثلاث مرات ومات ، فدفن بالحديثة ببغداد وذلك في خلافة الرشيد .

962 - حماد بن زيد بن إبراهيم ، أبو إسماعيل .

كان من كبار العلماء وسادات الفقهاء ، أسند عن خلق كثير من التابعين .

وتوفي في رمضان هذه السنة وهو ابن إحدى وثمانين سنة .

قال ابن مهدي : ما رأيت أعرف بالسنة منه .

وقال يزيد بن زريع يوم موته : مات سيد المسلمين .

963 - خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن ، أبو الهيثم . وقيل : أبو أحمد الطحان ، مولى مزينة .

من أهل واسط ، ولد سنة عشر ومائة ، وسمع يونس بن عبيد ، وابن عون ، وغيرهما . روى عنه : وكيع ، وابن مهدي ، وعفان بن مسدد ، وكان ثقة صالحا .

[ ص: 42 ] قال إسحاق الأزرق : ما أدركت أفضل من خالد . قيل : قد رأيت سفيان فقال : كان سفيان رجل نفسه ، وكان خالد رجل عامة .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال : حدثنا أبو نعيم الحافظ قال : سمعت الطبراني يقول : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول : قال أبي : كان خالد بن عبد الله الواسطي من أفاضل المسلمين اشترى نفسه من الله أربع مرات فتصدق بوزن نفسه فضة أربع مرات .

توفي في رجب هذه السنة ، وقيل : في سنة اثنتين وثمانين رحمه الله تعالى .

964 - الإمام مالك بن أنس بن مالك بن عامر بن الحارث بن غيمان - بالغين المعجمة بعدها ياء مثناة من تحتها - بن جثيل - بالجيم بعدها ثاء مثلثة - بن عمرو بن الحارث ، وهو ذو أصبح .

حمل بمالك ثلاث سنين ، وكان طوالا عظيم الهامة ، أصلع شديد البياض إلى الشقرة ، أبيض الرأس واللحية .

رأى خلقا من التابعين ، وروى عنهم ، وكان ثقة حجة ، يلبس الثياب العدنية الجياد ، وكان نقش خاتمه "حسبي الله ونعم الوكيل " فقيل له : لم نقشت هذا ؟ فقال : سمعت الله يقول عقب هذه الآية فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء وكان إذا دخل بيته فأدخل رجله قال : ما شاء الله ، وقال : سمعت الله يقول : ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله .

[ ص: 43 ] أخبرنا محمد بن ناصر قال : أخبرنا أبو سهل بن سعدويه قال : أخبرنا أبو الفضل محمد بن الفضل القرشي قال : أخبرنا أبو بكر بن مردويه قال : حدثنا سليمان بن أحمد قال : حدثنا مسعدة بن أسعد العطار قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر قال : سمعت معن بن عيسى يقول : كان مالك بن أنس إذا أراد أن يحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل وتبخر وتطيب ، فإذا رفع أحد صوته عنده قال : اغضض من صوتك فإن الله عز وجل يقول : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي فمن رفع صوته عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أخبرنا محمد بن أبي القاسم ، أخبرنا حمد بن أحمد الحداد ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، حدثنا محمد بن علي بن عاصم قال : سمعت الفضل بن محمد الجندي يقول : سمعت أبا مصعب يقول : سمعت مالك بن أنس يقول : ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك .

أخبرنا محمد بن عبد الباقي [بن سليمان قال : ] أخبرنا أحمد بن أحمد قال : أخبرنا أبو نعيم الأصفهاني [الحافظ قال : ] حدثنا أبو محمد بن حيان قال : حدثنا محمد بن أحمد بن عمرو قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن كليب قال : حدثني أبو طالب ، عن أبي عبيدة قال : سمعت ابن مهدي يقول : سأل رجل مالكا عن مسألة فقال : لا أحسنها . فقال الرجل : إني ضربت إليك من كذا وكذا لأسألك عنها . فقال له مالك [ابن أنس ] إذا رجعت إلى مكانك وموضعك فأخبرهم إني قد قلت لك لا أحسنها .

أخبرنا زاهر بن طاهر قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي قال : أخبرنا أبو عبد الله [محمد بن عبد الله ] الحاكم قال : حدثنا أبو الحسين محمد بن يحيى [ ص: 44 ] العلوي قال : حدثنا أبو علي الغطريف قال : حدثنا أبو إسماعيل الترمذي ، حدثنا نعيم بن حماد قال : سمعت ابن المبارك يقول : ما رأيت رجلا ارتفع مثل مالك بن أنس من رجل ليس له كثير صلاة ولا صيام ، إلا أن تكون له سريرة عند الله . أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال : أخبرنا الجوهري قال : أخبرنا ابن حيوية قال : أخبرنا أبو أيوب الجلاب ، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال : حدثنا محمد بن سعد قال : حدثنا محمد بن عمر قال : لما دعي مالك وسور وسمع منه شنف الناس له وحسدوه ، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة سعوا به إليه ، وقالوا : إنه لا يرى أيمان بيعتكم بشيء ، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت عن الأحنف ، في طلاق المكره أنه لا يجوز ، فغضب جعفر بن سليمان ، فدعا بمالك ، فاحتج عليه بما رقي إليه ، ثم جرده ومده وضربه بالسياط ، ومدت يده حتى انخلع كتفاه ، وارتكب منه أمر عظيم ، فوالله ما زال بمالك بعد ذلك من رفعة عند الناس ، وكأنما [كانت ] تلك السياط حليا حلي بها .

وكان يشهد الصلوات والجنائز والجمعة ، ويعود المرضى ، ويجلس في المسجد ، ويجتمع إليه أصحابه ، ثم ترك الجلوس في المسجد ، وكان يصلي ثم ينصرف وترك شهود الجنائز ، وكان يأتي أهلها فيعزيهم ، ثم ترك ذلك كله فلم يكن يشهد الصلوات في مسجد ولا الجمعة ، ولا يأتي أحدا يعزيه ، واحتمل الناس له ذلك ، ومات على ذلك وربما كلم في ذلك فيقول : ليس كل الناس يقدر يتكلم بعذره .

[ ص: 45 ] ومنذ خرج محمد بن [ عبد الله بن ] حسن بالمدينة لزم مالك بيته فلم يخرج حتى قتل محمد ، وكان يجلس في منزله على ضجاع له ونمارق مطروحة يمنة ويسرة في سائر البيت لمن يأتيه من قريش والأنصار ، وكان مجلسه مجلس وقار وحلم ، وكان نبيلا مهيبا لا يستفهم هيبة .

قال محمد بن سعد : وحدثنا ابن أبي أويس قال اشتكى مالك أياما يسيرة ، فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت ، فقال : تشهد ثم قال : لله الأمر من قبل ومن بعد .

وتوفي في صبيحة أربعة عشر من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة ، في خلافة هارون ، وصلى عليه والي المدينة عبد الله بن محمد بن إبراهيم ، ودفن بالبقيع وهو ابن خمس وثمانين سنة ، وقيل : توفي في صفر من هذه السنة رضي الله عنه .

[ ص: 46 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية