صفحة جزء
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

1295 - بشر بن [الحارث بن] عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان ، أبو نصر ، المعروف بالحافي .

مروزي ، ولد بمرو ، وسكن بغداد ، وفاق أهل عصره في الورع والزهد وحسن الطريقة ، وسمع إبراهيم بن سعد ، ومالك ، وحماد بن زيد ، وابن المبارك ، وخلقا كثيرا ، وشغله التعبد عن الرواية ، فلم يتنصب لها .

أخبرنا [أبو منصور] عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي ، قال [ ص: 123 ] أخبرنا عبد العزيز بن علي قال: حدثنا علي بن عبد الله الهمداني ، حدثنا القاسم بن الحسن بن جرير ، حدثنا محمد بن أبي عتاب ، عن محمد بن المثنى قال: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول في هذا الرجل؟ فقال: أي الرجال؟ فقلت: بشر ، قال: سألتني عن رابع سبعة من الأبدال ، ما مثله عندي إلا مثل رجل ركز رمحا في الأرض ، ثم قعد منه على السنان ، فهل ترك لأحد موضعا يقعد فيه؟

أخبرنا [أبو منصور] عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي ، أخبرنا الأزهري قال: أخبرنا عبيد الله بن إبراهيم القزاز قال: حدثنا جعفر الخالدي ، حدثني أبو حامد بن خالد الحذاء قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: ما أخرجت بغداد أتم عقلا ولا أحفظ للسانه [من بشر بن الحارث] ، كان في كل شعرة منه عقل ، وطئ الناس عقبه خمسين سنة ، ما عرف له غيبة لمسلم ، لو قسم عقله على أهل بغداد صاروا عقلاء ، وما نقص من عقله شيء .

أخبرنا [أبو منصور] القزاز قال: [أخبرنا أبو بكر] الخطيب أحمد قال: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المقرئ ، أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد بن محمد بن مسلم الختلي ، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق ، حدثنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عمران الوركاني يقول: تخرق إزار بشر ، فقالت له أخته: يا أخي ، قد تخرق إزارك ، وهذا البرد ، فلو جئت بقطن حتى أغزل لك ، قال: فكان يجيء بالأستارين والثلاثة فقالت له: إن الغزل قد اجتمع ، أفلا تسلم إزارك إن أردت السرعة؟ فقال لها: هاتيه ، فأخرجته إليه ، فوزنه وأخرج ألواحه وجعل يحسب الأساتير ، فلما رآها قد زادت فيه قال: كما أفسدتيه فخذيه .

قال المروزي: وسمعت بعض القطانين يقول: أهدى إلي أستاذ لي رطبا وكان بشر [ ص: 124 ] يقيل في دكاننا في الصيف ، فقال له أستاذي: يا أبا نصر ، هذا من وجه طيب ، فإن رأيت أن تأكله ، قال: فجعل يمسه بيده ، ثم ضرب بيده إلى لحيته ، وقال: ينبغي أن أستحي من الله ، إني [عند الناس] تارك لهذا وآكله في السر .

أخبرنا [أبو منصور] القزاز ، قال: أخبرنا أبو بكر بن علي [بن ثابت] قال: أخبرني عبد الله بن يحيى السكري ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الصواف ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال: حدثني أبو حفص عمر ابن أخت بشر الحافي قال: حدثتني أمي قالت: جاء رجل إلى الباب فدقه فأجابه بشر: من هذا؟ قال: أريد بشرا ، فخرج إليه فقال له: حاجتك؟ قال: عافاك الله ، أنت بشر؟ قال: نعم ، حاجتك؟ قال: إني رأيت رب العزة [تعالى] في المنام وهو يقول: اذهب إلى بشر فقل له: يا بشر ، لو سجدت على الجمر ما أديت شكري فيما قد بثثت لك - [أو نشرت لك] - في الناس . فقال له: أنت رأيت ذلك ؟ قال: نعم رأيته مرتين ، ليلتين متواليتين فقال: لا تخبر به أحدا ، ثم دخل وولى وجهه إلى القبلة ، وجعل يبكي ويضطرب ، وجعل يقول: اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا ، ونوهت باسمي ، ورفعتني فوق قدري على أن تفضحني في القيامة ، فعجل الآن عقوبتي ، خذ مني بمقدار ما يقوى عليه بدني . [ ص: 125 ]

قال المصنف: وقد جمعت كتابا فيه فضائل بشر الحافي وأخباره؛ فلهذا اقتصرت على ما ذكرت ها هنا كراهية للإعادة [والتطويل] .

توفي بشر في هذه السنة عشية الأربعاء لعشر بقين من ربيع الأول من سنة سبع وعشرين ، قبل موت المعتصم بستة أيام ، وقد بلغ من السن خمسا وستين سنة .

أخبرنا [أبو منصور] القزاز قال: أخبرنا [أبو بكر] أحمد بن علي ، أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي ، أخبرنا محمد بن يوسف بن يعقوب ، حدثنا أبو الفتح محمد بن أحمد النحوي قال: سمعت الحسين بن أحمد بن صدقة يقول: سمعت أحمد بن زهير يقول: سمعت يحيى بن عبد الحميد الحماني يقول: رأيت أبا نصر التمار ، وعلي بن المديني في جنازة بشر بن الحارث يصيحان في الجنازة: هذا شرف والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة ، وذلك أن بشر بن الحارث [وقد] أخرجت جنازته بعد صلاة الصبح ، ولم يجعل في قبره إلا في الليل ، وكان نهارا صائفا ، ولم يستقر في القبر إلى العتمة .

1296 - توفيل ملك الروم .

ملك اثنتي عشرة سنة ، وهلك في هذه السنة ، وملكت بعده امرأة اسمها [ ص: 126 ] بدور ، وابنها ميخائيل بن توفيل [صبي] .

1297 - عريب

ولدت في سنة إحدى وثلاثين ومائة ، وكانت أمها تسمى فاطمة ، وكانت يتيمة ، فتزوجها جعفر بن يحيى بن خالد ، فأنكر عليه أبوه وقال [له:] أتتزوج من لا يعرف له أب ولا أم ، اشتر مكانها ألف جارية ، فأخرجها وأسكنها دارا في ناحية الأنبار سرا من أبيه ، ووكل بها من يحفظها ، وكان يتردد إليها ، فولدت عريب ، وماتت أم عريب في حياة جعفر ، فدفعها إلى امرأة نصرانية وجعلها داية لها ، فلما حدثت بالبرامكة تلك الحادثة باعتها من سنبس النخاس ، فباعها ، فاشتراها الأمين وافتضها ولم يوف الثمن ، حتى قتل ، فرجعت إلى سيدها ، ثم اشتراها المأمون ، فمات الذي اشتريت منه عشقا لها ، ثم بيعت في ميراث المأمون ، فاشتراها المعتصم بمائة ألف وأعتقها فهي مولاته ، وكانوا إذا نظروا إلى قدمي عريب شبهوها بقدم جعفر بن يحيى ، وكانت عريب شاعرة ، ومليحة الخط ، وغاية في الجمال والظرف ، ثم كانت مغنية محسنة ، صنعت ألف صوت ، وكانت شديدة الفطنة والذكاء ، كتبت إلى بعض الناس: أردت ، ولولا ، ولعل .

فكتب تحت أردت: ليت ، وتحت لولا: ماذا ، وتحت لعل: أرجو ، فقامت ومضت إليه .

توفيت عريب في هذه السنة .

1298 - [قراطيس ، أم الواثق .

خرجت إلى الحج ، فماتت بالحيرة ، لأربع خلون من ذي القعدة ، ودفنت بالكوفة في دار داود بن عيسى] .

1299 - محمد بن حيان ، أبو الأحوص البغوي .

حدث عن إسماعيل بن علية ، وهشيم ، وغيرهما وروى عنه: أحمد بن حنبل [ ص: 127 ] وغيره ، وآخر من روى عنه عبد الله بن محمد البغوي ، وكان ثقة .

توفي في هذه السنة في ذي الحجة .

1300 - محمد بن الصباح ، أبو جعفر البزاز ، ويعرف بالدولابي .

سمع إبراهيم بن سعد ، وهشيم بن بشير ، وغيرهما ، روى عنه: أحمد بن حنبل ووثقه ، ولم يختلفوا في ذلك .

وتوفي يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من شهر الله المحرم من هذه السنة ، وقد جاوز السبعين .

1301 - محمد المعتصم بن الرشيد .

كان بدو مرضه أنه احتجم أول يوم من المحرم من هذه السنة ، واعتل .

أخبرنا [أبو منصور] القزاز ، أخبرنا [أبو بكر] أحمد بن علي ، أخبرنا الأزهري ، أخبرنا [محمد] بن العباس الخزاز ، أخبرنا علان بن أحمد الرزاز ، حدثنا علي بن أحمد بن العباس ، حدثنا أبو الحسن الطويل قال: سمعت عيسى بن أبان بن صدقة ، عن علي بن يحيى المنجم ، قال: لما استتم المعتصم عدة غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفا ، وعلق له خمسون ألف مخلاة على فرس ، وبرذون ، وبغل ، وذلل العدو بكل النواحي ، أتته المنية ، على غفلة ، فقيل لي إنه قال في حماه التي مات فيها حتى إذا [ ص: 128 ]

فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون
.

أخبرنا محمد بن ناصر ، أخبرنا عبد المحسن بن محمد بن علي ، أخبرنا أحمد بن عمر بن روح النهرواني ، أخبرنا المعافى بن زكريا ، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال: سمعت القاسم بن زرزور يقول: حدثني زنام الزامر قال: لما اعتل المعتصم علته التي مات فيها وجد يوما إفاقة ، فقال: هيئوا لي الزلال حتى أركب . فهيئ له ، فركب وأنا معه ، فمر بدجلة بإزاء منازله فقال: [يا] زنام . قلت:

لبيك يا أمير المؤمنين ، قال: أزمر:


يا منزلا لم تبل أطلاله حاشى لأطلالك أن تبلى     والعيش أولى ما بكاه الفتى
لا بد للمحزون أن يسلى     لم أبك أطلالك لكنني
بكيت عيشي فيك إذ ولى

قال: فزمرته وما زلت أردده وهو ينتحب ويبكي ، إلى أن خرج من الزلال ، ثم توفي بعد خمسة أيام .

قال علماء السير: لما احتضر جعل يقول: ذهبت الحيل ولا حيلة ، ولو علمت أن عمري قصير هكذا ما فعلت .

توفي يوم الخميس لثمان عشرة ليلة مضت من ربيع الأول ، لساعتين مضتا من النهار ، وقيل: لأربع ، ودفن بسامراء ، فكانت خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر ، وقيل: ويومين ، وكان عمره ستا وأربعين سنة وسبعة أشهر وثمانية عشر يوما . وقيل: سبعا وأربعين وشهرين وثمانية عشر يوما . [ ص: 129 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية