صفحة جزء
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة

فمن الحوادث فيها:

أن السلطان أصعد من واسط ، فدخل بغداد في يوم الخميس السابع عشر من صفر ، وجلس له الخليفة فوصل إليه يوم الاثنين الحادي والعشرين من الشهر ، فخلع عليه ، وحمل إلى دار الخليفة على رواق الروشن المشرف على دجلة بعد أن أعيدت شرافاته التي قلعها البساسيري ، ورم شعثه في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من هذا الشهر سماطا ، حضر السلطان طغرلبك والأمراء أصحاب الأطراف ووجوه الأتراك والحواشي ، وتبع ذلك سماط عمله السلطان في داره ، وأحضر الجماعة في يوم الخميس ثاني ربيع الأول ، وخلع على الأمراء من الغد ، وتوجه إلى الجبل في يوم الأحد الخامس من الشهر ، وتأخر بعده عميد الملك لتدبير الأمور ، ودخل إلى الخليفة ، فودعه فشكره واعتد بخدمته ، ولقبه سيد الوزراء مضافا إلى عميد الملك .

وفي سادس عشرين هذا الشهر: قبل قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني شهادة أبي بكر محمد بن المظفر الشامي .

وفي يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة: انقض كوكب عظيم القدر عند طلوع الشمس من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق فطال مكثه .

وفي يوم الثلاثاء تاسع جمادى الآخرة: ورد الأمير عدة الدين أبو القاسم عبد الله [ ص: 61 ] ابن ذخيرة الدين ، وجدته ، وعمته وسنه يومئذ أربع سنين ، مع أبي الغنائم ابن المحلبان ، واستقبله الناس وجلس في زبزب كبير ، وعلى رأسه أبو الغنائم إلى باب الغربة ، قدم له فرس فركبه فحمله أبو الغنائم على كتفه فأركبه الفرس ، ودخل به إلى الخليفة فشكره على خدمته له ثم خرج ، وكان أبو الغنائم ابن المحلبان قد دخل إلى دار بباب المراتب في أيام البساسيري ، فوجد فيها زوجة أبي القاسم ابن المسلمة وأولاده .

وكان البساسيري شديد الطلب لهم ، فقالوا له: قد تحيرنا وما ندري ما نعمل ، ولما استشرنا صاحبنا أين نأخذ -يعنون ابن المسلمة- قال: ما لكم غير ابن المحلبان فخلطهم بحرمه ، ثم أخرجهم إلى ميافارقين ، وجاءه محمد الوكيل فقال له: قد علمت أن ابن الذخيرة وبنت الخليفة ووالدتها يبيتون في المساجد . وينتقلون من مسجد إلى مسجد مع المكدين ، ولا يشبعون من الخبز ، ولا يدفؤون من البرد ، وقد علموا ما قد فعلته مع بنت ابن المسلمة ، فسألوني خطابك في مضائهم ، وقد ذكروا أنهم أطلعوا أبا منصور بن يوسف على حالهم ، فأرشدهم إليك ، وكان البساسيري قد أذكى العيون عليهم ، وشدد في البحث عنهم ، فلم يعرف لهم خبرا .

فقال ابن المحلبان لمحمد الوكيل: واعدهم المسجد الفلاني حتى أنفذ زوجتي إليهم تمشي بين أيديهم إلى أن يدخلوا دارها .

ففعل وحمل إليهم الكسوة الحسنة ، وأقام بهم وخاطر بذلك ، فلما علموا بمجيء السلطان انزعجوا وقالوا: إن خوفنا من هذا كخوفنا من البساسيري لأجل أن خاتون ضرة لجدة هذا الصبي ، تكره سلامته ، فأخرجهم إلى قريب من سنجار ، ثم حملهم إلى حران ، فلما سكنت الثائرة مضى وأقدمهم إلى بغداد .

وفي جمادى الآخرة: وقع في الخيل والبغال موتان ، وكان مرضها نفخة العينين والرأس وضيق الحلق .

وفي رجب: وقف أبو الحسن محمد بن هلال الصابئ دار كتب بشارع ابن أبي عوف من غربي مدينة السلام ، ونقل إليها نحو ألف كتاب .

[ ص: 62 ]

وكان السبب أن الدار التي وقفها سابور الوزير بين السورين احترقت ، ونهب أكثر ما فيها ، فبعثه الخوف على ذهاب العلم أن وقف هذه الكتب .

وفي شعبان: ملك محمود بن نصر حلب والقلعة ، فمدحه ابن أبي حصينة فقال:


صبرت على الأهوال صبر ابن حرة فأعطاك حسن الصبر حسن العواقب     وأتعبت نفسا يا ابن نصر نفيسة
إلى أن أتاك النصر من كل جانب     وأنت امرؤ تبني العلى غير عاجز
وتسعى إلى طرق الردى غير هائب     تطول بمحمود بن نصر وفعله
كلاب كما طالت تميم بحاجب

وعاد طغرلبك إلى الجبل في هذه السنة بعد أن عقد بغداد وأعمالها على أبي الفتح المظفر بن الحسين العميد في هذه السنة بمائة ألف دينار ، ولسنتين بعدها بثلاثمائة ألف دينار ، فشرع العميد في عمارة سوق الكرخ ، وتقدم إلى من بقي من أهلها بالرجوع إليها ، ونهاهم عن العبور إلى الحريم والتعايش فيه ، وابتدأت العمارة ثم تزايدت مع الأيام حتى عاد السوق كما كان دون الدروب والخانات والمساكن .

التالي السابق


الخدمات العلمية