صفحة جزء
وفي هذه السنة كانت غزوة تبوك وذلك في رجب

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن الروم قد جمعت جموعا كبيرة ، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة ، وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة وغسان ، وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء ، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك ، وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب ليستنفرهم ، وذلك في حر شديد ، وخلف علي بن أبي طالب على أهله ، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة ، وجاء البكاءون يستحملونه .

واختلف في عددهم وأسمائهم ، فروى أبو صالح عن ابن عباس ، قال: هم ستة:

عبد الله بن معقل ، وصخر بن سلمان . وعبيد الله بن كعب ، وعلية بن زيد ، وسالم بن عمير ، وثعلبة بن غنمة .

وذكر محمد بن مسلمة مكان صخر بن سلمان ، سلمة بن صخر ، ومكان ثعلبة بن غنمة ، عمرو بن غنمة ، قال: وقيل منهم معقل بن يسار .

وروى ابن إسحاق عن أشياخ له : أن البكائين سبعة من الأنصار: سالم بن عمير ، وعلية بن زيد ، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب ، وعمرو بن الحمام ، وعبد الله بن معقل ، وبعض الناس تقول عبد الله بن عمرو المزني ، وعرباض بن سارية ، وهرمي بن عبد الله .

وقال مجاهد: نزلت في بني مقرن ، وهم سبعة ، وقد ذكرهم محمد بن سعد ، فقال:

النعمان بن عمرو بن مقرن ، وسنان بن مقرن ، وعقيل بن مقرن ، وعبد الرحمن بن مقرن ، وعبد الرحمن بن عقيل بن مقرن ، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أجد ما أحملكم عليه" فولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا . [ ص: 363 ]

وجاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم [في التخلف] من غير علة فأذن لهم وهم بضعة وثمانون رجلا ، وجاء المعذرون من الأعراب ، فاعتذروا فلم يعذرهم ، وهم اثنان وثمانون رجلا ، وكان عبد الله بن أبي قد عسكر في حلفائه من اليهود والمنافقين على ثنية الوداع ، واستخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة ، وجاء واثلة بن الأسقع فبايعه ثم لحق به ، فلما سار تخلف [عبد الله] بن أبي ومن معه ، وبقي نفر من المسلمين ، منهم: كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، وأبو خيثمة السالمي ، وأبو ذر الغفاري ، فقدم تبوكا في ثلاثين ألفا من الناس ، وكانت الخيل عشرة آلاف فرس ، وكان على حرسه عباد بن بشير ، ولقوا في الطريق شدة .

قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: حدثنا عن ساعة العسرة ، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد ظننا أن رقابنا ستقطع حتى إن الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تتقطع ، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله ، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا ، قال: "تحب ذلك" ، قال:

نعم ، فرفع يديه فلم يرجعها حتى [قالت السماء] فملئوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر .
وفي هذه السفرة: اشتد بهم العطش ومعهم إداوة فيها ماء فصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في إناء ففاضت حتى روي العسكر وهم ثلاثون ألفا ، والإبل اثنا عشر ألفا ، والخيل عشرة آلاف .

وفيها: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر [من] أرض ثمود ، واستقى الناس من أبيارهم فنهاهم .


قال ابن عمر : إن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر فاستسقوا من أبيارها وعجنوا به ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من أبيارها وأن يعلفوا الإبل العجين ، وأمرهم أن يستقوا من النهر التي كانت ترده الناقة . [ ص: 364 ]

أخرجاه في الصحيحين .

فصل

قال علماء السير: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين ليلة ، ولحقه أبو خيثمة وأبو ذر ، وكان أبو خيثمة قد رجع من بعض الطريق ، فوجد امرأتين له ، [قد] هيأت كل واحدة منهما عريشا وبردت فيه ماء وهيأت طعاما ، فوقف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح وأبو خيثمة في ظلال وماء بارد ، والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم . فلحقه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيدا ، وكان هرقل يومئذ بحمص

التالي السابق


الخدمات العلمية