صفحة جزء
318 - علي بن أبي طالب رضي الله عنه :

كان السبب في قتله أن عبد الرحمن بن ملجم ، والبرك بن عبد الله ، وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس وعابوا عمل ولاتهم ، ثم ذكروا أمر النهر فترحموا عليهم ، وقالوا: والله ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا ، كانوا لا يخافون في الله لومة لائم ، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد ، وأخذنا بثأر إخواننا .

فقال ابن ملجم: أما أنا فأكفيكم علي بن أبي طالب ، وكان من أهل مصر . وقال البرك بن عبد الله: أنا أكفيكم معاوية ، وقال عمرو: أنا أكفيكم عمرو بن العاص . فتعاهدوا وتواثقوا لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه ، فأخذوا أسيافهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة من رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه . وأقبل كل منهم إلى المصر الذي هو فيه يطلبه .

فأما ابن ملجم وكان عداده في كندة ، فخرج فلقي أصحابه بالكوفة ، وكاتمهم أمره كراهية أن يظهروا شيئا من أمره ، ثم أنه رأى ذات يوم أصحابا له من تيم الرباب - وكان علي رضي الله عنه قتل منهم يوم النهر عدة فذكروا قتلاهم ، ولقي من يومه ذلك امرأة من تيم الرباب يقال لها: "قطام" . وقد قتل علي أباها وأخاها يوم النهر - وكانت فائقة الجمال - فلما رآها التبست بعقله ونسي حاجته التي جاء لها ، فخطبها ، فقالت: لا أتزوجك حتى تشتفي لي ، قال: وما تشائين ، قالت: ثلاثة آلاف ، وعبد ، وقينة ، وقتل [ ص: 173 ] علي ، فقال: والله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي ، فلك ما سألت ، قالت: إني أطلب لك من يسند ظهرك ويساعدك على أمرك ، فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له: " وردان " فكلمته ، فأجابها .

فأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له: شبيب بن بجرة ، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: قتل علي ، قال: ثكلتك أمك ، لقد جئت شيئا فريا إذا ، كيف تقدر على علي ؟ قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج إلى صلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه ، فإن نجونا بأنفسنا وأدركنا ثأرنا ، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها .

قال: ويحك لو كان غير علي أهون علي ، قد عرفت بلاءه في الإسلام ، وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وما أجدني أنشرح صدرا لقتله . قال: أتعلم أنه قتل أهل النهر العباد المصلين ، قال: بلى ، قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا ، فأجابه ، فجاءوا قطام وهي في المسجد الأعظم معتكفة ، فقالوا: قد اجتمع رأينا على قتل علي ، قالت: فإذا أردتم ذلك فأتوني .

فعادوا ليلة الجمعة التي قتل في صبيحتها علي ، فقال: هذه الليلة التي واعدت فيها أن يقتل كل واحد منا صاحبه ، فأخذوا أسيافهم ووقفوا مقابل السدة التي يخرج منها علي رضي الله عنه ، فلما خرج ضربه شبيب بالسيف ، فوقع سيفه في الطاق ، وضربه ابن ملجم بالسيف . وهرب وردان حتى دخل منزله ، فدخل عليه رجل ، فقال: ما هذا السيف ، فأخبره فقتله ، وخرج شبيب نحو أبواب كندة في الغلس ، وصاح الناس فلحقه رجل من حضرموت - يقال له عويم - وفي يد شبيب السيف ، فأخذه ، فلما رأى الناس قد أقبلوا وسيف شبيب في يده خشي على نفسه فتركه ونجا بنفسه ، ونجا شبيب في غمار الناس ، فشدوا على ابن ملجم ، فأخذوه . وتأخر علي ودفع في ظهر جعدة بن هبيرة بن أبي وهب ، فصلى بالناس الغداة ، ثم قال علي رضي الله عنه: علي بالرجل ، فأدخل عليه فقال: أي عدو الله ، ألم أحسن إليك؟ قال: بلى ، قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذت سيفي هذا أربعين صباحا ، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه ، فقال: لا أراك إلا مقتولا به ، ولا أراك إلا من شر خلق الله .

[ ص: 174 ] أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ، ومحمد بن ناصر ، قالا: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار ، قال: أخبرنا الحسن بن محمد النصيبي ، قال: أخبرنا إسماعيل بن سويد ، قال: حدثنا ابن الأنباري ، قال: حدثني أبي ، قال: حدثنا أحمد بن عبيد ، عن الهيثم ، قال: حدثني رجل من بجيلة ، عن مشيخة قومه: أن عبد الرحمن بن ملجم رأى امرأة من تيم الرباب يقال لها: "قطام" ، كانت من أجمل النساء ، ترى رأي الخوارج ، قد قتل قومها على هذا الرأي يوم النهروان ، فلما أبصرها عشقها فخطبها ، فقالت: لا أتزوجك إلا على ثلاثة آلاف ، وقتل علي بن أبي طالب ، فتزوجها على ذلك ، فلما بنى بها قالت: يا هذا قد فرعت فافرع ، فخرج ملتبسا سلاحه ، وخرجت فضربت له قبة في المسجد ، وخرج علي رضي الله عنه يقول: الصلاة الصلاة ، فاتبعه عبد الرحمن فضربه بالسيف على قرن رأسه ، فقال الشاعر في ذلك:


ولم أر مهرا ساقه ذو سماحة كمهر قطام بينا غير معجم     ثلاثة آلاف وعبد وقينة
وقتل علي بالحسام المصمم     فلا مهر أغلى من علي وإن غلا
ولا قتل إلا دون قتل ابن ملجم

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال: أخبرني علي بن القاسم البصري ، قال: حدثنا علي بن إسحاق المادرائي ، قال: أخبرنا الصنعاني محمد بن إسحاق ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبان الوراق ، قال: حدثنا ناصح أبو عبد الله المحلمي ، عن سماك ، عن جابر بن سمرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: "من أشقى الأولين؟ " قال: عاقر الناقة ، قال: "فمن أشقى الآخرين؟ " قال: الله ورسوله أعلم ، قال: "قاتلك" . [ ص: 175 ]

قال محمد بن الحنفية: والله إني لأصلي في تلك الليلة التي ضرب فيها علي في رجال كثيرة ما هم إلا قياما وركوعا وسجودا ، وما يسأمون من أول الليل إلى آخره ، إذ خرج علي لصلاة الغداة ، فجعل ينادي: أيها الناس ، الصلاة الصلاة ، إذ نظرت إلى بريق السيف ، وسمعت: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك ، فرأيت سيفا وسمعت عليا يقول: لا يفوتنكم الرجل ، وشد الناس عليه من كل جانب ، فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل إلى علي رضي الله عنه .

فدخلت فيمن دخل ، فسمعت عليا يقول: النفس بالنفس ، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني ، وإن بقيت رأيت فيه رأيي . وكان ابن ملجم مكتوفا بين يدي علي رضي الله عنه ، فنادته أم كلثوم بنت علي وهي تبكي: أي والله ، ويلك قتلت أمير المؤمنين ، قال: ما قتلت إلا أباك ، قالت: إني لأرجو ألا يكون عليه بأس ، قال: فما لك تبكين ، والله لقد سممته شهرا ، ولو كانت هذه الضربة بجميع أهل الأرض ما بقي منهم أحد .

قالوا: يا أمير المؤمنين: إن فقدناك أنبايع الحسن ؟ فقال: ما آمركم ولا أنهاكم ، أنتم أبصر . ثم دعا حسنا وحسينا ، فقال: أوصيكم بتقوى الله ، ولا تبغيا الدنيا ، ولا تبكيا على شيء زوى عنكما ، ثم لم ينطق إلا بـــ لا إله إلا الله حتى قبض . وذلك في رمضان ، وغسله الحسن والحسين عليهما السلام ، وعبد الله بن جعفر ، وكفن في ثلاثة أثواب وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات .

أخبرنا الحصين ، قال: أخبرنا ابن المذهب ، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر ، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال: حدثني أبي ، قال: [حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال: ] حدثنا شريك عن عمران بن ظبيان ، عن أبي يحيى ، قال: لما ضرب ابن ملجم عليا رضي الله عنه قال علي رضي الله عنه: افعلوا به كما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل برجل أراد قتله ، فقال: اقتلوه ، ثم حرقوه . [ ص: 176 ]

وذكر أبو الحسن المدائني أن ابن ملجم لما ضرب علي بن أبي طالب ، قال ابن ملجم: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله . وآخر ما تكلم به علي رضي الله عنه فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .

التالي السابق


الخدمات العلمية