صفحة جزء
[فتنة التتار وخيانة العلقمي]

وفي سنة خمس وخمسين وستمائة: مات المعز أيبك سلطان مصر; قتلته زوجته شجر الدر، وسلطنوا بعده ولده الملك المنصور عليا.

هذا; والتتار جائلون في البلاد، وشرهم متزايد ونارهم تستعر، والخليفة والناس في غفلة عما يراد بهم، والوزير العلقمي حريص على إزالة الدولة العباسية، ونقلها إلى العلوية، والرسل في السر بينه وبين التتار، والمستعصم تائه في لذاته لا يطلع على الأمور، ولا له غرض في المصلحة.

وكان أبوه المستنصر قد استكثر من الجند جدا، وكان مع ذلك يصانع التتار [ ص: 711 ] ويهاديهم ويرضيهم، فلما استخلف المستعصم.. كان خليا من الرأي والتدبير، فأشار عليه الوزير بقطع أكثر الجند، وأن مصانعة التتار وإكرامهم يحصل بها المقصود، ففعل ذلك.

ثم إن الوزير كاتب التتار وأطمعهم في البلاد، وسهل عليهم ذلك، وطلب أن يكون نائبهم، فوعدوه بذلك، وتأهبوا لقصد بغداد .

شرح حال التتار ملخصا

قال الموفق عبد اللطيف في خبر التتار: (هو حديث يأكل الأحاديث، وخبر يطوي الأخبار، وتاريخ ينسي التواريخ، ونازلة تصغر كل نازلة، وفادحة تطبق الأرض، وتملؤها ما بين الطول والعرض.

وهذه الأمة لغتهم مشوبة بلغة الهند; لأنهم في جوارهم، وبينهم وبين تنكت أربعة أشهر، وهم بالنسبة إلى الترك عراض الوجوه، واسعوا الصدور، خفاف الأعجاز، صغار الأطراف، سمر الألوان، سريعو الحركة في الجسم والرأي.

تصل إليهم أخبار الأمم، ولا تصل أخبارهم إلى الأمم، وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم; لأن الغريب لا يتشبه بهم، وإذا أرادوا جهة... كتموا أمرهم، ونهضوا دفعة واحدة، فلا يعلم بهم أهل بلد حتى يدخلوه، ولا عسكر حتى يخالطوه; فلهذا تفسد على الناس وجوه الحيل، وتضيق طرق الهرب، ونساؤهم يقاتلن كرجالهم.

والغالب على سلاحهم النشاب، وأكلهم أي لحم وجد، وليس في قتلهم استثناء ولا إبقاء، يقتلون الرجال والنساء والأطفال، وكان قصدهم إفناء النوع، وإبادة العالم، لا قصد الملك والمال).

وقال غيره: (أرض التتار بأطراف بلاد الصين، وهم سكان براري، ومشهورون بالشر والغدر).

التالي السابق


الخدمات العلمية