الآداب الشرعية والمنح المرعية

ابن مفلح - محمد بن مفلح بن محمد المقدسي

صفحة جزء
[ ص: 343 ] في رد جواب الكتاب وأسلوب السلف في المكاتبة كالسلام ) .

روى أبو جعفر عن ابن عباس مرفوعا { : إني لأرى لرد جواب الكتاب علي حقا كما أرى رد جواب السلام . } قال الشيخ تقي الدين وهو المحفوظ عن ابن عباس يعني موقوفا انتهى كلامه ، وهو كما قال ، وقول صحابي لا يصح خلافه عن صحابي معمول به ، ويتوجه القول به استحبابا ويتوجه في الوجوب ما في المكافأة على الهدية ، ورد جواب كلمة طيبة ونحو ذلك ، أما إن أفضى ترك ذلك إلى سوء ظن وإيقاع عداوة ونحو ذلك توجه الوجوب ولا بد من رد جواب ما قصده الكاتب وإلا كان الرد كعدمه شرعا وعرفا .

وقال الخطابي : في قوله عليه السلام { إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد } رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي رافع { إني لا أنقض العهد ولا أفسده } وأصله من خاس الشيء في الوعاء إذا فسد قال : وقوله { لا أحبس البرد } يشبه أن المعنى في ذلك أن الرسالة تقتضي جوابا والجواب لا يصل إلى المرسل إلا على لسان الرسول بعد انصرافه فصار كأنه قد عقد له العهد مدة مجيئه ورجوعه انتهى كلامه ، وإذا أبطأ الجواب فينبغي التلطف ليزول له ما حصل بسبب ذلك ، قال ابن عبد البر : قال الزبير بن أبي بكر : كتب إلي المغيرة يستبطئ كتبي فكتبت إليه :

ما غير النأي ودا كنت تعهده ولا تبدلت بعد الذكر نسيانا     ولا حمدت إخاء من أخي ثقة
إلا جعلتك فوق الحمد عنوانا

وأظن أن الزبير بن أبي بكر هو الزبير بن بكار المشهور الإخباري صاحب كتاب النسب وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما جد جد أبيه ولم أجد من اسمه الزبير بن أبي بكر غيره ونظير هذين البيتين ما يأتي في آخر الكتاب من قول أبي تمام الطائي في التأخر عن عيادة المريض :

[ ص: 344 ]

ولئن جفوتك في العيادة إنني     لبقاء جسمك في الدعاء لجاهد
ولربما ترك العيادة مشفق     وطوى على غل الضمير العائد

قال أبو جعفر الدارمي أحمد بن سعيد : كتب إلي أبو عبد الله أحمد بن حنبل لأبي جعفر أكرمه الله من أحمد بن حنبل وقال حرب قلت لأحمد كيف تكتب على عنوان الكتاب ؟ قال نكتب : إلى أبي فلان ، ولا يكتب لأبي فلان ، قال : ليس له معنى إذا كتب لأبي فلان .

وقال المروذي : كان أبو عبد الله يكتب عنوان الكتاب : إلى أبي فلان ، وقال : هو أصوب من أن يكتب لأبي فلان .

وقال سعيد بن يعقوب : كتب إلي أحمد بن حنبل : بسم الله الرحمن الرحيم من أحمد بن محمد إلى سعيد بن يعقوب ، أما بعد : فإن الدنيا داء ، والسلطان دواء ، والعالم طبيب ، فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاحذره . والسلام عليك .

وقال حنبل : كانت كتب أبي عبد الله أحمد بن حنبل التي يكتب بها : من فلان إلى فلان ، فسألته عن ذلك فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر وكتب كل ما كتب على ذلك ، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعمرو كتب إلى عتبة بن فرقد ، وهذا الذي يكتب اليوم لفلان محدث لا أعرفه ، قلت : فالرجل يبدأ بنفسه ، قال : أما الأب فلا أحب إلا أن يقدمه باسمه ، ولا يبدأ ولد باسمه على والد ، والكبير السن كذلك يوقره به وغير ذلك لا بأس ، وفي معنى كبر السن : العلم والشرف ونحوهما وهو مراد الإمام أحمد رحمه الله إن شاء الله وإلا فلا وجه لمراعاة شيخ لا علم عنده ، وترك عالم صغير السن ، ولم أجد عن أحمد رحمه الله ما يخالف هذا النص صريحا ، ولعل ظاهر حاله اتباع طريق من مضى في بداءة الإنسان بنفسه مطلقا ، فيكون عنه روايتان في ذلك ، وهي تشبه مسألة القيام أو نظيرها . وسيأتي بعد نحو ستة كراريس ما يتعلق بالكتاب والكتابة .

( فصل ) .

وذكر ابن الأنباري عن ثعلب بن الأعرابي قال : الرسول والرسل والرسالة سواء ، قال : وينشد هذا البيت على وجهين [ ص: 345 ]

لقد كذب الواشون ما بحت عندهم     بسر ولا أرسلتهم برسول

وبرسيل .

وذكر ابن عبد البر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إذا أبردتم إلي بريدا أو بعثتم إلي رسولا فليكن حسن الوجه حسن الاسم ، وإذا سألتم الحوائج فاسألوها حسان الوجوه } وقال صلى الله عليه وسلم { : الرجل الصالح يجيء بالخبر الصالح ، والرجل السوء يأتي بالخبر السوء } قالوا : الرسول قطعة من المرسل ، وقال عمرو بن العاص : رضي الله عنه ثلاثة دالة على صاحبها الرسول على المرسل ، والهدية على المهدي ، والكتاب على الكاتب . قالصالح بن عبد القدوس :

إذا كنت في حاجة مرسلا     فأرسل حكيما ولا توصه

فسمع الخليل رجلا ينشد هذا البيت فقال هو الدرهم .

وقال آخر :

ما أرسل الأقوام في حاجة     أمضى ولا أنفع من درهم
يأتيك عفوا بالذي تشتهي     نعم الرسول للرجل المسلم



وقال آخر :

ما مرسل أنجح فيما نعلم     من طبق يهدى وهذا الدرهم

وقال منصور :

أرسلت في حاجة رسولا     يكنى أبا درهم فتمت
ولو سواه بعثت فيها     لم تحظ نفسي بما تمنت



وقال أبو جعفر النحاس عن محمد بن الوليد : الصواب ، إلى أبي فلان لأن الكتاب إليه لا له إلا على مجاز بعيد ، قال أبو جعفر : والصواب ما قاله ، وأكثر العلماء من الصحابة والتابعين عليه . كما روي عن ابن عمر قال : يكتب الرجل من فلان إلى فلان ، ولا يكتب لفلان .

وروى ابن عون عن محمد قال : كتب رجل عند ابن عمر : بسم الله الرحمن الرحيم لفلان من فلان فقال : مه ، إن اسم الله هو له إذا ، وعن مغيرة عن إبراهيم قال : [ ص: 346 ] كانوا يكرهون أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم لفلان من فلان وكانوا يكرهونه في العنوان ولا أحفظ عن أحد من المتقدمين أنه رخص في أن يكتب لأبي فلان في عنوان ولا غيره ، قاله أبو جعفر .

وقال : فأما ابتداء الإنسان بنفسه وكتبه من فلان إلى فلان ، ففيه اختلاف بين العلماء في العنوان وصدر الكتاب فأكثرهم يرى أن يبتدئ بنفسه لأن ذلك عنده هو السنة كما روى محمد بن سيرين : أن العلاء بن الحضرمي كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأ بنفسه انتهى كلامه . وهذا الخبر رواه شعبة عن منصور عن زاذان عن ابن سيرين رواه أحمد في المسند عن هشيم عن منصور عن ابن سيرين قال : أحمد قال مرة يعني هشيما : عن بعض ولد العلاء : إن العلاء كان عامل النبي صلى الله عليه وسلم على البحرين فكان إذا كتب إليه بدأ بنفسه ورواه أبو داود عن أحمد . وابن سيرين لم يدرك العلاء وابن العلاء تفرد عنه ابن سيرين .

قال أبو جعفر : وعن نافع أن ابن عمر كان يقول لغلمانه وولده : إذا كتبتم إلي فلا تبدءوا بي ، وكان إذا كتب إلى الأمراء بدأ بنفسه ، وذكر أبو جعفر أيضا أنه كتب إلى معاوية وعبد الملك فبدأ بهما . قال أبو جعفر : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم { إذ كتب أحدكم فليبدأ بنفسه إلا إلى والد أو والدة ، وإمام يخاف عقوبته } وقيل لسفيان الثوري اكتب إلى المهدي قال : إن كتبت إليه بدأت بنفسي قيل فلا تكتب إليه إذا .

وقال الربيع بن أنس : ما كان أحد أعظم حرمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أصحابه يكتبون إليه فيبدءون بأنفسهم ، وروي أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية . وعن محمد ابن الحنفية لا بأس أن يبدأ بالرجل إذا كتب إليه ، وكتب بكر بن عبد الله إلى عامل في حاجة فبدأ باسمه فقيل له : ابتدأت باسمه فقال : لي إليه حاجة ، وعن ابن شوذب قلت لأيوب السختياني لي إلى عبد الرحمن بن القاسم حاجة وقد أردت أن أكتب إليه ، قال : فابدأ به ، ذكر ذلك أبو جعفر وذكر أيضا أن لأبي فلان إن اللام [ ص: 347 ] بمعنى إلى ، فقد قال قوم في معنى قول الله عز وجل : { بأن ربك أوحى لها } .

معناه أوحى إليها ، فإن أعدت الكنية خفضت على البدل ويجوز الرفع على إضمار مبتدأ ، والنصب بمعنى أعني وفي إعادة الكنية معنى التعظيم والتبجيل وأنشد سيبويه :

لا أرى الموت يسبق الموت شيء     نغص الموت ذا الغنى والفقيرا

وتتريب الكتاب محمود عند العلماء ، قاله أبو جعفر ، وستأتي فيه الأخبار ، يقال أتربت الكتاب وتربته بمعنى ، ويقال ترب الرجل إذا افتقر ، واشتقاقه أنه صار إلى التراب وأترب : استغنى ، معناه كثر ماله حتى صار كالتراب ، وأكثر الاستعمال أتربت الكتاب ، فوافق لفظه لفظ أترب الرجل إذا استغنى ، ويقال : أول من ختم الكتاب سليمان عليه السلام وذلك معنى قوله تعالى { إني ألقي إلي كتاب كريم } .

أي : مختوم ويقال : فض الكتاب إذا كسر خاتمه ومعنى الفض في اللغة التفريق والكسر ومنه انفض القوم ومنه لا يفضض الله فاك وإن شئت لا يفض الله بالكسر والفتح والضم ، وذكر بعض النحويين أن معنى لا يفضض الله فاك : قال : لا يجعله فضاء لا أسنان فيه لأن الفضاء المكان الواسع وهذا غلط في الاشتقاق لأن لام الفعل من الفضاء ليست ضادا ولام الفعل من فض ضاد .

وفي عنوان الكتاب لغات أفصحها : عنوان بكسر العين وجمعها عناوين وعلوان وجمعها علاوين وعنيان وعينان ، تقول عنونت الكتاب أعنونه عنونة وعلونته وعنيت تعنيا وعنيت تعنية وعنوت الكتاب [ ص: 348 ] أعنوه عنوا ، وتقول منه يا عان اعن كتابك مثل دعا يدعو ، والعنوان الأثر ، فالعنوان أثر الكتاب ممن هو وإلى من هو ، وقيل العنوان مأخوذ من قول العرب عنت الأرض تعنوا إذا أخرجت النبات وأعناها المطر إذا أخرج نباتها ، فعنوان على هذا فعلان ، ينصرف في النكرة دون المعرفة ، وقيل مشتق من عن يعن إذا عرض وبدأ فعلى هذا ينصرف نكرة ومعرفة لأنه فعلان ، ومن قال علوان أبدل من النون لاما مثل صيدلاني وصيدناني والاشتقاق واحد .

وقيل مشتق من العلانية لأنه خط مظهر على الكتاب ، واستحسن جماعة أن يصغروا أسماءهم على عنوانات الكتب ورأوا ذلك تواضعا ، وينبغي أن يحسن اسم الله إذا كتبه ، قال أبو جعفر : وكانوا يكرهون الدعاء على العنوان وينكرونه ، كذا قال مع أنه ذكر الدعاء عليه ، وقول الفضل بن سهل : لا يحسن بالعنوان كثرة الدعاء ، قال أبو جعفر ( باب ترتيبات اصطلحوا عليها ) فمن ذلك : اصطلاحهم على أن " أطال الله بقاء سيدنا " أجل الدعاء ، ويليه : أطال الله بقاء سيدي ، واستقبحوا الخلاف في فصول الكتابة وذلك أن يكتب : أطال الله بقاء سيدنا أو سيدي ثم يقول في الكتاب بلغك الله أملك فإن رأيت فهذا خلاف في الدعاء ، أو يقول أيد الله سيدي ثم يقول أكرم الله سيدي ، واستقبحوا أيضا أن تكون الأدعية متفقة وذلك أن يقول : أعزك الله ويكتب في الفصل الذي يليه مثله ، واصطلحوا على مكاتبة النظير نظيره ، فإن رأيت أن تفعل كذا وكذا فعلت ، ولا يكتبون إليه فرأيك ، فإن كان دونك قليلا فرأيك ، وكتبوا فأحب أن تفعل فإن كان دونه أكثر من ذلك كتب فينبغي أن تفعل كذا وكذا ، فإن كان دون ذلك كتب فافعل كذا وكذا . [ ص: 349 ]

قال أبو جعفر : سمعت علي بن سليمان يتعجب من قول بعض الكتاب الذين ينتحلون العلم وقد فرق بين فرأيك وبين إن رأيت وجعل فرأيك لا يكتب بها إلا جليل له أمر ، فقال ما أعجب هذا ؟ أتراه لا يعلم أن الإنسان يخاطب الرجل الجليل فيقول : انظر في أمري فيكون لفظه لفظ الأمر ومعناه السؤال والطلب ، قال أبو جعفر وجعلوا أعزك الله أجل من أكرمك الله وهو من الاصطلاح المحدث ، قال ومن المستقيم عندهم أيضا أن يدعو له ويشتمه في كتاب واحد .

التالي السابق


الخدمات العلمية