الآداب الشرعية والمنح المرعية

ابن مفلح - محمد بن مفلح بن محمد المقدسي

صفحة جزء
[ ص: 117 ] فصل ( في كتابة الحديث والعلم والأحاديث المتعارضة فيها ) .

روى الخلال ثنا أبو عباس الدوري سمعت يحيى بن سعيد القطان ما رأيت مثل سفيان الثوري ، كنت إذا سألته عن الحديث لم يكن عنده اشتد عليه وكان مسعر لا يبالي أن لا يكون عنده وقال رجل لأحمد : أريد أعرف الحديث قال : إن أردت أن تعرف الحديث فأكثر من الكتابة .

وقد دل هذا النص وغيره على كتابة الحديث ، بل وكتابة العلم وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة { اكتبوا لأبي شاه } وفيهما أيضا قول علي رضي الله عنه وما في هذه الصحيفة .

وفي البخاري عن أبي هريرة : لم يكن أحد أكثر حديثا مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب .

وفي رواية { استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتابة فأذن له } .

وفي السنن { أن عبد الله بن عمرو قال : يا رسول الله أكتب عنك في الغضب والرضا ؟ فقال : اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق وأشار بيده إلى فيه صلى الله عليه وسلم } .

وعن عمر وابن عباس وأنس رضي الله عنهم : قيدوا العلم بالكتاب وقال حنبل ثنا سعيد بن سليمان ثنا عبد الله بن المؤمل عن ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم { قيدوا العلم قلت وما تقييده قال الكتاب } ابن المؤمل ضعيف ، وللنسائي عن عمرو بن عثمان عن الوليد بن مسلم عن ابن جريج أخبرني عطاء عن عبد الله بن عمرو قال : يا رسول الله { إنا نسمع منك أحاديث فتأذن لنا أن نكتبها ، قال نعم } وذكر الحديث قال النسائي منكر ، وهو عندي خطأ . وسمع أنس وكتب من النبي صلى الله عليه وسلم وعرضها عليه ، وأملى واثلة بن الأسقع على الناس الأحاديث ، وهم يكتبون بين يديه .

وقال [ ص: 118 ] أبو المليح يعيبون علينا الكتاب ، والله يقول { قال علمها عند ربي في كتاب } . وكان ابن عمر لا يخرج من بيته غدوة حتى ينظر في كتبه .

وقال بشير بن نهيك كتبت عن أبي هريرة ما كنت أسمعه منه ، ثم أتيته به فقلت : هذا سمعته منك قال نعم . وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه أمر بنيه وبني أخيه بكتابة العلم حتى يرووه أو يضعوه في بيوتهم ، وكتب ابن عباس كثيرا وكتب الناس عن زيد بن ثابت وجابر والبراء وغيرهم من الصحابة وخلق من التابعين لا يحصون ، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم أن يجمع له السنن والآثار : فإني خشيت ذهاب العلم .

وروى مسلم عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا { من كتب عني سوى القرآن فليمحه } وروى البيهقي عن أبي نضرة عن أبي سعيد أنه قال : لا نكتبكم ولا نجعلها مصاحف ، احفظوا عنا كما كنا نحفظ عن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال البيهقي : فدل ذلك على أن النهي إنما كان خشية أن يختلط بكتاب الله شيء ، ثم روي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة : أن عمر أراد أن يكتب السنن ، فاستشار الصحابة رضي الله عنهم فأشاروا عليه بذلك ، ثم استخار الله شهرا ثم قال : إني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا ، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله عز وجل ، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا . وعن ابن مسعود أنه كره كتابة العلم ، وكذا روي عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري والزهري وغير واحد أنهم كرهوا ذلك ، .

وقال أبو هريرة لا نكتب ولا نكتم ، . وقال ابن جريج أخبرني الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير أن ابن عباس كان ينهى عن كتابة العلم . وقال : إنما أضل من كان [ ص: 119 ] قبلكم الكتب .

قال البيهقي : وإنما ذلك للمعنى الذي أشرنا إليه أو نحوه وقال أيضا : لعله صلى الله عليه وسلم أذن في الكتابة لمن خشي عليه النسيان ، ونهى عن الكتابة لمن وثق بحفظه ، أو نهى عن الكتابة حين خاف الاختلاط ، وأذن في الكتابة حين أمن منه ، فقال الأوزاعي : كان هذا العلم كريما يتلافاه الرجال بينهم ، فلما دخل في الكتب دخل فيه من ليس من أهله .

التالي السابق


الخدمات العلمية