الآداب الشرعية والمنح المرعية

ابن مفلح - محمد بن مفلح بن محمد المقدسي

صفحة جزء
فأما صحة التوبة عن بعض الذنوب فهي أصل السنة وإنما يمنع صحتها المعتزلة والقائلون بالاحتياط وأنه لا تنفع طاعة مع معصية ، فأما من صحح الطاعة مع المعاصي صحح التوبة من بعض المعاصي انتهى كلامه . وذكر هذه الرواية القاضي .

ذكر ابن عقيل في الإرشاد هذه الرواية ولفظها قال : أي توبة هذه ؟ وصرح أنها اختياره وأنها قول جمهور المتكلمين ، وقد قال أحمد في تعاليق إبراهيم الحربي لو كان في الرجل مائة خصلة من خصال الخير وكان يشرب النبيذ لمحتها كلها ، وهذا من أغلظ ما يكون ، واحتج لاختياره بما ليس فيه حجة .

وقال الشيخ تقي الدين : إنما أراد يعني أحمد أن هذه ليست توبة عامة ، لم يرد أن ذنب هذا كذنب المصر على الكبائر فإن نصوصه المتواترة تنافي ذلك ، وحمل كلامه على ما يصدق بعضه بعضا أولى ، لا سيما إذا كان القول الآخر مبتدعا لم يعرف عن أحد من السلف ، انتهى كلامه .

وقال ابن عقيل أيضا في الفنون : قال بعض الأصوليين لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره ، فإن الإنسان لو قتل لإنسان ولدا ، وأحرق له بيدرا ثم اعتذر عن إحراق البيدر دون قتل الولد لم يعد اعتذارا ، وهذا ظاهر على مذهب أحمد ، ويجب أن يكون هو المذهب ; لأن أحمد قال إذا ترك الصلاة تكاسلا كفر وإن كان مقيما على الزكاة والحج وغير ذلك انتهى كلامه .

وفي مأخذه نظر ظاهر قال القاضي أبو الحسين : اختلفت الرواية هل تصح التوبة من القبيح مع المقام على قبيح آخر يعلم التائب بقبحه أو لا يعلم على روايتين :

( إحداهما ) تصح ، اختارها والدي وشيخه ; لأنه لا خلاف أنه يصح التقرب من المكلف بفعل واجب مع ترك مثله في الوجوب كذا في مسألتنا [ ص: 57 ]

( والثانية ) لا تصح اختارها أبو بكر واحتج بقوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } :

فوعد بغفران الصغائر باجتناب الكبائر ، فإذا ارتكب الكبائر أخذ بالكبائر والصغائر ، واختارها ابن شاقلا واحتج بأنه يستحيل أن يكون محبوبا لقوله تعالى : { إن الله يحب التوابين } . ويكون في حال ما هو محبوب يفعل ما هو ممقوت .

وروى أحمد ومسلم عن الأغر بن يسار المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { : إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله عز وجل في اليوم مائة مرة } .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا { يا أيها الناس توبوا إلى الله عز وجل فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة } رواه مسلم والبخاري وقال : " سبعين مرة " ولأحمد والبخاري عن أبي هريرة مرفوعا { والله إني لأستغفر الله عز وجل وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة } .

ولأحمد حدثنا محمد بن مصعب حدثنا سالم بن مسكين والمبارك عن الحسن عن الأسود بن سريع { أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بأسير فقال : اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عرف الحق لأهله ، } محمد بن مصعب مختلف فيه ولم يسمع الحسن من الأسود .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما وأنس مرفوعا { لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب } متفق عليه .

ولأحمد والبخاري رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة } وإن جهله تاب مجملا ، والمراد والله أعلم توبة عامة وإلا فقد ذكر الشيخ تقي الدين أن التوبة [ ص: 58 ] المجملة لا توجب دخول كل فرد من أفراد الذنوب فيها ولا تمنع دخوله كاللفظ المطلق بخلاف العام وما قاله صحيح ، وعنه لا تقبل من الداعية إلى بدعته المضلة والقاتل ، ذكرها القاضي وأصحابه .

التالي السابق


الخدمات العلمية