الآداب الشرعية والمنح المرعية

ابن مفلح - محمد بن مفلح بن محمد المقدسي

صفحة جزء
[ ص: 203 ] فصل ( في حسن الخلق )

قال ابن منصور : سألت أبا عبد الله عن حسن الخلق قال أن لا تغضب ولا تحتد ، قيل له المعاملة بين الناس في الشراء والبيع فلم ير ذلك قال إسحاق بن راهويه هو بسط الوجه وأن لا تغضب ونحو ذلك ، ذكره الخلال .

وروى البيهقي في مناقب الإمام أحمد عن إسحاق بن منصور أنه سأل أحمد بن حنبل عن حسن الخلق فقال هو أن يحتمل من الناس ما يكون إليه .

وروى الخلال عن سلام بن أبي مطيع في تفسير حسن الخلق فأنشد هذا البيت .

تراه إذا ما جئته متهللا كأنك معطيه الذي أنت سائله



وروى أيضا عن الفضيل أنه قال من ساء خلقه ساء دينه ، وحسبه مودته .

وقال مهنا سألت أحمد عن رجل ظلمني وتعدى علي ووقع في شيء عند السلطان أعين عليه عند السلطان قال لا بل اشفع فيه إن قدرت قلت سرقني في المكيال والميزان أدس إليه من يوقفه على السرقة قال إن وقع في شيء فقدرت أن تشفع له فاشفع له انتهى كلامه .

وروى غير واحد وإسناده ضعيف عن أبي هريرة مرفوعا { إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق } .

وروى أبو حفص العكبري في الأدب له بإسناده عن عائشة مرفوعا { إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم طلاقة الوجه وحسن البشر } وفي حسن الخلق أحاديث كثيرة ففي الصحيحين أو أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا } .

وفي بعض طرق للبخاري { إن خياركم أحسنكم أخلاقا } [ ص: 204 ] بإسقاط من وقال أبو داود حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي أبو الجماهر ثنا أبو كعب أيوب بن محمد السعدي حدثني سليمان بن حبيب المحاربي عن أبي أمامة قال قال رسول الله { أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه } أيوب تفرد عنه أبو الجماهر لكنه ثقة . وعن سلمة بن وردان عن أنس مرفوعا { من ترك الكذب وهو باطل بني له في ربض الجنة ، ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها ، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها } سلمة ضعيف عندهم رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه . وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول { اللهم أحسنت خلقي فأحسن خلقي } وعن عائشة مرفوعا مثله رواهما أحمد ومسلم وصحح ابن حبان خبر ابن مسعود ورواه البيهقي في كتاب الدعوات .

وقال فيه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نظر إلى وجهه في المرآة ذكره ، ورواه أبو بكر بن مردويه في كتاب الأدعية من حديث أبي هريرة وعائشة وفي آخره { وحرم وجهي على النار } .

وقال الحسن والقرظي في قوله تعالى : { وثيابك فطهر } . أي وخلقك فحسن وعن عائشة مرفوعا { الشؤم سوء الخلق } رواه أحمد

. والشؤم ضد اليمن يقال تشاءمت بالشيء وتيمنت به ، وعن ابن مسعود مرفوعا { حرم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس } رواه أحمد [ ص: 205 ] والترمذي .

وقال البراء { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا } . رواه البخاري وغيره قال تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } .

قيل دين الإسلام . وقيل أدب القرآن وقال الماوردي الطبع الكريم فسمي خلقا لأنه يصير كالخلقة في صاحبه . فأما ما طبع عليه فيسمى الخيم فيكون الخيم الطبع الغريزي والخلق الطبع المتكلف . انتهى كلامه قال الجوهري الخلق والخلق السجية وفلان يتخلق بغير خلقه أي يتكلفه قال الشاعر

يا أيها المتحلي غير شيمته     إن التخلق يأتي دونه الخلق



قال والخيم بالكسر السجية والطبيعة لا واحد له من لفظه فدل على الترادف خلاف ما قاله الماوردي وقال في النهاية الخلق بضم اللام وسكونها الدين والطبع والسجية . وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها ولها أوصاف حسنة وقبيحة والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة ولهذا تكررت الأحاديث في حسن الخلق وذم سوء الخلق .

التالي السابق


الخدمات العلمية