الآداب الشرعية والمنح المرعية

ابن مفلح - محمد بن مفلح بن محمد المقدسي

صفحة جزء
فأما إنزاء الحمر على الخيل فعن ابن عباس رضي الله عنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا مأمورا ما اختصنا بشيء دون الناس إلا بثلاث ، أمرنا أن نسبغ الوضوء ، وأن لا نأكل الصدقة ، وأن لا ننزي حمارا على فرس } حديث صحيح رواه أحمد ، والنسائي ، والترمذي وصححه وابن خزيمة في صحيحه وعند أحمد وابن خزيمة وأشك في غيرهما قال موسى بن سالم [ ص: 148 ] يعني راوي الحديث فلقيت عبد الله بن حسن يعني حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب فقلت إن عبد الله بن عبد الله يعني ابن عباس حدثني بكذا وكذا فقال إن الخيل كانت في بني هاشم قليلة فأحب أن تكثر فيهم . وعن علي رضي الله عنه قال { : أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة فقلنا يا رسول الله لو أنزينا الحمر على خيلنا فجاءتنا بمثل هذه فقال : إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون } إسناد ثقات رواه أحمد وأبو داود ، والنسائي قال أبو داود باب في كراهية الحمر تنزي على الخيل حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن زريق عن علي فذكره . وعن علي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا علي { أسبغ الوضوء وإن شق عليك ولا تأكل الصدقة ولا تنز الحمر على الخيل ولا تجالس أصحاب النجوم } رواه عبد الله بن أحمد في المسند وعن دحية الكلبي قال { قلت يا رسول الله ألا أحمل لك حمارا على فرس فتنتج لك بغلا فتركبها قال : إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون } رواه أحمد . ثنا محمد بن عبيد ثنا عمر من آل حذيفة عن الشعبي عنه أي عمر قيل هو ابن حنبل وقيل ابن أبي حنبل بن سعد بن حذيفة بن اليمان ذكره البخاري في تاريخه وروى عنه جماعة ولم أجد فيه كلاما وحديثه حسن إن شاء الله وروى النسائي عن أحمد بن حفص عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال { : لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل } إسناد جيد .

واختلف العلماء في إنزاء الحمر على الخيل فذهب أبو داود وهو من أصحاب الإمام أحمد إلى الكراهة واحتج بالخبر في ذلك وهو ظاهر ما ذكره صاحب المحرر من أصحابنا في أحكامه المنتقى ولأصحابنا خلاف فيما رواه الإمام أحمد ولم يخالفه هل يكون مذهبا له ؟ وقد روى هذه الأخبار ولم أجد عنه نصا بخلافها وقد حكى هذا عن طائفة من العلماء ليدلل على ذلك بالأخبار المذكورة .

فإن قيل النهي خاص لبني هاشم لقلة الخيل بدليل ما سبق من حديث [ ص: 149 ] ابن عباس وقول عبد الله بن حسن قيل قوله : عليه السلام { إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون } فدل على أنه لا فرق في هذا بين بني هاشم وغيرهم وذلك ; لأن الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة وفي ارتباطها واقتنائها كما سبق الثواب الجزيل ، والفضل العظيم ويحصل بها من النفع في جهاد أعداء الله سبحانه الذي هو من أفضل الأعمال أو أفضلها من الكر ، والفر وإدراك العدو ، والنجاة عليها منه ويسم لها في الجهاد ولحمها مأكول عند جمهور العلماء للأخبار الصحيحة .

ومن المعلوم أن العدول عن مثل هذه المنافع ، والفضائل مع عدم النسل ، والنماء إنما يفعله من لا يعلم كما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم . أما من يعلم هذه الفضائل ، والمنافع وما هو الراجح في نظر الشارع فلا يعدل عن ذلك بلا شك ولهذا لما كان ذلك مستقرا عند عامة العلماء ، والعقلاء لم يعدلوا عنه غالبا كما هو معلوم عادة وعرفا ترجيحا منهم للفضائل الشرعية ، والمنافع العرفية .

وأما قول ابن عباس المذكور ففيه إسباغ الوضوء ومعلوم أن المسلمين فيه سواء ، ومهما كان الجواب عنه كان هو الجواب عن إنزاء الحمر على الخيل .

والظاهر أن المراد أن الشارع عليه الصلاة والسلام خاطبهم بذلك شفاها اتفاقا أو لسبب اقتضى ذلك بحسب الحال أو أنهم أولى بذلك من غيرهم لشرفهم وقربهم منه صلى الله عليه وسلم إطلاق من أطلق اختصاصهم بذلك وإن كانوا وغيرهم في الحكم سواء ، ولهذا قال علي قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه { لا تجالس أصحاب النجوم } ومعلوم أن النهي عن مجالستهم عام له ولغيره .

وأما قول عبد الله بن حسن فهو اجتهاد منه ; لأنه لم يشاهد الحال ولم يدرك ذلك الزمان فظاهر الأخبار خلافه وهي قوله عليه السلام : " إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون " فهذا يقتضي عموم النهي بلا شك فكيف يخالف كلام الشارع ويتبع رأي عبد الله بن حسن ومعلوم أن بني هاشم لم يكونوا أقل خيلا من جميع الصحابة رضي الله عنهم ؟ بل كان فيهم مثلهم في ذلك ودونهم على أن عبد الله ليس في كلامه اختصاص الحكم [ ص: 150 ] ببني هاشم بل أراد بيان وجه إطلاق الاختصاص وأنه لهذا السبب ، وإن كان غيرهم مثلهم في ذلك وإلا فلا وجه لاختصاصهم بهذا الحكم أصلا ; لأن الشارع أراد تكثير الخيل في بني هاشم لقلتها فإن كان غيرهم مثلهم في قلتها كانوا مثلهم في هذا الحكم ، وإن كانوا أقل منهم كانوا أولى بهذا الحكم أو مثلهم .

ولهذا لا يعرف عن أحد من العلماء رضي الله عنهم أنه قال يختص هذا الحكم ببني هاشم ، ومن تأمل هذا وأمثاله علم أنه لا وجه للتعلق بهذا في صرف دلالة هذه الأخبار ، والعدول عنها ، فعلى هذا ظاهر ما سبق عن إمامنا وأصحابنا رحمهم الله اختصاص الكراهة بإنزاء الحمير على الخيل كما هو ظاهر الأخبار ، ولا يقال عدوا الحكم نظرا إلى عدم النسل ، والنماء ; لأنا نقول قد سبقت أوصاف يجوز أن يكون الشارع قد رتب الحكم على مجموعها ، والحكم المرتب على أوصاف لا يثبت إلا بمجموعها فلا تصح التعدية .

، وقد يتوجه احتمال نظرا إلى عدم النماء فإنه المقصود أو معظمه ، ، ولأن الحيوانات المتولدة من جنسين أخبث طبعا من أصولها المتولدة منها كما معروف من البغال وغيرها فيحصل بذلك من ملابسته واقتنائه تعب ومشقة لا تحصل بالجنس الواحد وهذا معنى مناسب لعدم فعله ويصلح ذكره في أصل المسألة وعلى هذا تكون الأخبار خرجت بحسب الواقع أو جوابا لسؤال ويكون المراد صيانة الخيل عن مزاوجة الحمر وحفظ مائها لما فيها من الفضائل ، والمنافع .

وذهب الحنفية رحمهم الله إلى أنه لا بأس بإنزاء الحمر على الخيل ، والخيل على الحمر واختاره الخطابي رحمه الله بعد أن ذكر علة الكراهة وقال عن إنزاء الخيل على الحمر يحتمل أن لا يكون داخلا في النهي إلا أن يتأول متأول أن المراد بالحديث صيانة الخيل واحتج من قال بعدم الكراهة مطلقا بقوله تعالى : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة } .

ذكر سبحانه ذلك في معرض الامتنان فدل على إباحة أسباب اتخاذ هذه [ ص: 151 ] الأشياء وإلا كانت مكروهة لا يمتن بها . ومن المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه ركب بغلة واقتناها } فدل على إباحة السبب وإلا لم يفعل ذلك ; لأنه يتأسى به في فعله فيكون ذلك سببا لفتح هذا الباب ، والترغيب فيه ، والعكس بالعكس ، ولأنه استيلاد حيوان لهم منتفع به شرعا فلم يكره كالجنس الواحد .

ولمن اختار الأول أن يجيب عن ذلك : أما الآية فلا نسلم أنه يلزم من الامتنان هنا إباحة السبب ومن ادعاه فعليه الدليل ، والأصل عدمه فإن أبدى دليلا تكلمنا عليه .

ثم نقول قد يكون هذا السبب محرما ، والامتنان حاصل بأنه سبحانه لطف بنا ورحمنا إذ لم يحرم علينا هذا الحيوان كما أن بعض أفراد الجنس الواحد قد يكون محرما إجماعا بغصب أو غيره وهو داخل في جملة ما امتن به علينا بلا شك ، فإذا كان هذا في السبب المحرم فكيف بهذا السبب المكروه المأذون فيه في الجملة ، ثم لو سلم هذا في السبب المحرم هنا فلا نسلمه في المكروه .

ويحسن الامتنان معه ; لأن الشارع أذن فيه في الجملة فلم يفعل المكلف إلا ما وسع الشارع عليه فيه ، ثم لو سلم ذلك فالمراد بالآية الكريمة غير ما دلت عليه السنة المطهرة جمعا بين كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه أولى من التعارض ، والإلغاء .

وهذا إن كان المراد بالآية أنه سبحانه امتن على عباده بكل فرد فرد وإن كان المراد الجنس فلا يلزم كل فرد فرد كقولهم الرجل خير من المرأة فيصح إن أريد الجنس لا على تقدير إرادة عموم الجنس فكل رجل ليس هو خيرا من كل امرأة .

وأما ركوبه صلى الله عليه وسلم البغلة فأضعف في الدلالة لعدم الامتنان فيه وليس فيه تعرض للسبب بوجه وقد يكون فعل ذلك لحاجته إليها ولم يتيسر له غيرها وقد يكون فعله بيانا وتعليما لمن قد يخفى عليه حكم هذا الحيوان ; لأن هذا الحيوان ليس وقوع مثله كثيرا عندهم ليكون حكمه مشهورا لا يخفى وقد يكون فعله بيانا لجواز قبول هدايا المشركين ، والانتفاع بأموالهم ودوام ذلك ليشتهر فيبلغهم يتألفهم بذلك رجاء خيرهم وكفا لشرهم ، وقد فعل ذلك [ ص: 152 ] ليتبين به غاية الشجاعة إذا حضر به الجهاد ; لأن هذا الحيوان لا يكر ولا يفر إن طلب لم يدرك وإن طلب أدرك كما جرى له صلى الله عليه وسلم يوم هوازن وهو على بغلته وقد انكشف عنه أصحابه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وهو يقول { أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب } وهذا غاية الشجاعة ، ومع هذه الاحتمالات وغيرها فكيف يحتج بهذا الفعل لا سيما مع ما سبق عنه من البيان الخاص في هذا الفعل الخاص ، والجمع أولى من التعارض ، والإلغاء ، وأما القياس فالكلام عليه وعلى فساده واضح والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية