الآداب الشرعية والمنح المرعية

ابن مفلح - محمد بن مفلح بن محمد المقدسي

صفحة جزء
وقد قال ابن عقيل في الفنون في أثناء كلام له أنا أقول الذي ينبغي أن يكون حد الصداقة اكتساب نفس إلى نفسك ، وروح إلى روحك وهذا الحد يريحك عن طلب ما ليس في الوجود حصوله ; لأن نفسك الأصلية لا تعطيك محض النفع الذي لا يشوبه إضرار فالنفس المكتسبة لا تطلب منها هذا العيار وقد بينت العلة في تعذر الصفو الخالص وهي تغاير الأمزجة ، وتغليب الأخلاط ، واختلاف الأزمنة والأغذية فإن رطب وراق بالماء ورق بالهواء ثقل ورسب بالتراب ، وإن شف وصفا بالروح كثف وكدر بالجسد ، وإن استقام بالعقل ترنح بالهوى وإن [ ص: 579 ] خشع بالموعظة قسا بالغرور ، وإن لطف بالفكر غلظ بالغفلة ، وإن سخا بالرجاء بخل بالقنوط .

فإذا كانت الخلال في الشخص الواحد بهذه المشاكلة من التنافر ، كيف يطلب من الشخصين المتغايرين بالخلقة ، والأخلاق الاتفاق ، والائتلاف ؟ فإذا ثبتت هذه القاعدة أفادت شيئين : إقامة الأعذار وحسن التأويل الحافظ للمودات والدخول على بصيرة بأن ما يندر من الأخلاق المحمودة إذا غلب على أخلاق الشخص مع الشخص فهما الصديقان ، فأما طلب الدوام والسلامة من الإخلال في ذلك والانخرام فهو الذي أوجب القول لمن قال إن الصديق اسم لمن لم يخرج إلى الوجود وإن تبع ذلك في الأسماء كلها وجب إفلاس المسميات .

فأما تسمية الإنسان نفسه عبدا مع ارتكاب المخالفة فهي بعيدة عن الحقيقة إنما أنت عبد من طريق شواهد الصنعة التي تنطق بوحدته فيها بغير شريك له في إخراجه إلى الوجود ، فأما من طريق إجابة عادة العبد المعبود فلا فمن لا يصفو له اسم عبد لرب أبدأه وأنشأه ولا يصفو لنفسه في اسم ناصح لها بطاعة عقله ، وعصيان هواه يراد منه أن يصفو فيه اسم صديق فاقنع من الصداقة بما قنع الله سبحانه منك في العبودية ، مع أنك ما صفوت في الاسم فأنت إلى أن تكون عبد هواك وشيطانك أقرب ; لأن موافقتها فيه أكثر إلى أن قال ولا اقتصر في ذاك على الآدمي بل كل موجود صدر عن الفاعل جلت عظمته لم يصف من شوب حتى الأغذية والأدوية ذات المضار والمنافع إلى أن قال وإذا كان الأمر كله كذا فطلب ما وراء الطباع طلب ما لا يستطاع ، وذلك نوع من العنت ، والتنطع ومن طلب العزيز الممتنع عذب نفسه وجهل عقله وضلل رأيه ، وقبيح بالعقل أن يعتمد إضرار نفسه وإتعابها فيما لا يجدي نفعا بتعجيل التعب ضررا ومع كون النفس تطلب الكمال في [ ص: 580 ] الصداقة وفي العيش وغير ذلك مما قد ظهر إلى الوجود ناقصا فلا بد أن يكون في طي القدرة والعلم الإلهي ذلك ويستخرجه إلى الوجود وقت الإعادة وإرادة الحياة الدائمة ومنحه النعيم الباقي .

ثم ذكر صفة الجنة والنار إلى أن قال : يقطع الكلام في هذا المقام أن يقال إن وجدت من نفسك خلال الصداقة وشروطها مع النقد والاختبار من الهوى لم تجد لنفسك ثانيا فقل ما شئت من اللوم ، والعذل والتوبيخ ونح على أبناء الزمان بالوحدة في هذا المقام ، فأما إذا لم تجد ذاك في نفسك لعجز البنية عنه فاقطع القول في ذلك فلا مؤاخذة على ما لا يدخل تحت القدرة ، وقال أيضا صداقة العقلاء قرابة الأبد ، ومحبة الدخلاء فرح ساعة .

وقال ابن الجوزي في أثناء كلام له : العاقل من لم يثق بأحد ولم يسكن إلى مخلوق ، ومع هذا فالمباينة للكل لا تصلح إذ لا بد منهم وإنما تبتغى المداراة لا المودة ، والمسايرة بالأحوال لا المجاهرة ، وكتمان الأمور من الخلق كلهم مهما أمكن الأقارب والأباعد ، والنظر للنفس في مصالحها إلى أن قال عن الفقير لا ينفق إلا على الخالق سبحانه فأقبل عليه ترى أعجب العجب وإياك أن تثق بغيره أو تميل إلى سواه فتلقى العطب وهو وعزته الذي يجده المضطر في الشدائد والمحزون عند الهموم ، والمكروب عند الغموم احذر من مخالفته فإن عقوبتها داء دفين لا يؤمن تحركه .

وقال أيضا : متى رأيت الشخص معتدل الخلقة حسن الصورة فهو إلى الصلاح أقرب ومتى رأيت ذا عيب فاحذره مثل الكوسج ، والأعور ، والأعمى فقل أن ترى بأحد آفة في بدنه إلا وفي بطنه مثلها ، وإذا رأيت عيبا في شخص فلا تلحن عليه بالتأديب ، فالطبع عليه أغلب وداره فحسب .

واعلم أن التأديب مثله كمثل البذر ، والمؤدب كالأرض متى كانت الأرض رديئة ضاع البذر فيها ومتى كانت صالحة نشأ ونما فتأمل بفراستك من تخاطبه وتؤدبه وتعاشره ، ومل إليه بقدر صلاح ما ترى من بدنه وآدابه [ ص: 581 ] فانظر إلى الصناع ولا تنظر إلى حائك أو معلم أو صاحب صناعة خسيسة فإنك وإن رأيت منه خلة جميلة فالكدر أثبت والتجربة قبل الثقة ، والحذر بعد المعاملة وقل من يصفو فإن صفا فقل أن يثبت خذ من الناس جانبا .

وقال أيضا : ينبغي لمن صحب سلطانا أو محتشما أن يكون ظاهره معه وباطنه سواء فإنه قد يدس إليه من يختبره فربما افتضح في الابتلاء وأكثر الكلام في هذا المعنى .

وقال أيضا كان لي أصدقاء وإخوان فرأيت منهم الجفاء فأخذت أعتب فقلت ، وما ينفع العتاب ؟ فإنهم إن صلحوا فللعتاب لا للصفاء فهممت بمقاطعتهم فقلت لا تصلح مقاطعتهم ينبغي أن تنقلهم إلى ديوان الصداقة الظاهرة فإن لم يصلحوا لها فإلى جملة المعارف ومن الغلط أن تعاتبهم .

وقال يحيى بن معاذ : بئس الأخ أخ تحتاج أن تقول له اذكرني في دعائك ، وجمهور الناس اليوم معارف ويندر منهم صديق في الظاهر ، وأما الأخوة والمصافاة فذلك شيء نسخ فلا تطمع فيه وما أرى الإنسان يصفو له أخوه من النسب ولا ولده ولا زوجته فدع الطمع في الصفاء وخذ عن الكل جانبا وعاملهم معاملة الغرباء وإياك أن تخدع بمن يظهر لك الود ، فإنه مع الزمان يبين لك الخلل فيما أظهره وقد قال الفضيل : إذا أردت أن تصادق صديقا فأغضبه فإن رأيته كما ينبغي فصادقه وهذا اليوم مخاطرة ; لأنك إذا أغضبت أحدا صار عدوا في الحال ، والسبب في نسخ حكم الصفاء أن السلف كانت همتهم الآخرة وحدها فصفت نياتهم في الأخوة والمخالطة فكانت دينا لا دنيا ، والآن فقد استولى حب الدنيا على القلوب فإن رأيت متعلقا في باب الدين فأخبر تقله [ ص: 582 ]

وقال أيضا رأيت نفسي تأنس بخلطاء تسميهم أصدقاء فبحثت التجارب فإذا أكثرهم حساد على النعم ، وأعداء لا يسترون زلة ، ولا يعرفون لجليس حقا ولا يواسون من مالهم صديقا فتأملت الأمر فإذا أكثرهم حساد على النعم ، فإذا الحق سبحانه يغار على قلب المؤمن أن يجعل به شيئا يأنس به فهو يكدر الدنيا وأهلها ليكون أنسه به ، فينبغي أن تعد الخلق كلهم معارف ولا تظهر سرك لمخلوق منهم ولا تعدن فيهم من لا يصلح لشدة بل عاملهم بالظاهر ولا تخالطهم إلا حالة الضرورة وبالتوقي لحظة ، ثم انفر عنهم وأقبل على شأنك متوكلا على خالقك ، فإنه لا يجلب الخير سواه ولا يصرف السوء إلا إياه في كلام كثير .

التالي السابق


الخدمات العلمية