غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
إذا علمت هذا فاعلم أن للسلام عدة فوائد ، منها امتثال سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد قال : { من كان من أمتي فليستن بسنتي }

ومنها الخروج من الحرمة على القول بوجوب ابتدائه ، وإن كان الصحيح المعتمد عدم الوجوب .

ومنها الخروج من البخل وقد ورد أنه لا يدخل جنة عدن بخيل ، وقال صلى الله عليه وسلم : { أي داء أدوى من البخل ، والبخيل بغيض إلى الله ، بغيض إلى الناس ، بعيد من الجنة ، حبيب إلى الشيطان ، قريب إلى النيران ، والجنة دار الأسخياء } .

ومنها أنه يكون من الأسباب التي تدخل صاحبها الجنة ، كما في حديث عبد الله بن سلام ، ويوجب دخولها له كما في حديث أبي سرح رضي الله عنه أنه قال { : يا رسول الله أخبرني بشيء يوجب الجنة ، قال طيب الكلام ، وبذل السلام ، وإطعام الطعام } رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه .

ومنها أن بذله من موجبات المغفرة ، فقد روى الطبراني عن أبي سرح بإسناد جيد قال { قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ، قال إن من موجبات المغفرة بذل السلام ، وحسن الكلام } .

ومنها أنه يوجب المحبة بينه وبين إخوانه المسلمين ، كما في حديث أبي هريرة المتقدم وغيره . والمحبة شأنها عظيم . وقدرها جسيم ، ومدار العالم العلوي والسفلي عليها . وجميع الحركات إنما نشأت عنها ، وقد جاء في الحديث عليها عدة أحاديث ذكرت طرفا منها في خاتمة كتابي البحور الزاخرة ، ويكفي كونها علما للإيمان والله ولي الإحسان .

[ ص: 278 ] ومنها أداء حق أخيه المسلم ، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { حق المسلم على المسلم ست ، قيل وما هن يا رسول الله ؟ قال إذا لقيته فسلم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك فانصح له ، وإذا عطس فحمد الله فشمته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات فاتبعه } .

ومنها أولويته بالله تعالى ، لما روى أبو داود والترمذي وحسنه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام } ولفظ الترمذي : { قيل يا رسول الله الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام ؟ قال : أولاهما بالله تعالى } .

ومنها حوزه الفضيلة ، لما أخرج البزار وابن حبان في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يسلم الراكب على الماشي ، والماشي على القاعد ، والماشيان أيهما بدأ فهو أفضل } .

وأخرج الطبراني في الكبير والأوسط وأحد إسنادي الكبير محتج بهم في الصحيح عن الأغر أغر مزينة رضي الله عنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر لي بجريب من تمر عند رجل من الأنصار فمطلني به ، فكلمت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اغد يا أبا بكر فخذ له من تمره ، فوعدني أبو بكر المسجد إذا صلينا الصبح ، فوجدته حيث وعدني فانطلقنا . فكلما رأى أبا بكر رجل من بعيد سلم عليه ، فقال أبو بكر رضي الله عنه أما ترى ما يصيب القوم عليك من الفضل لا يسبقك إلى السلام أحد فكنا إذا طلع الرجل من بعيد بادرناه بالسلام قبل أن يسلم علينا } .

ومنها إدراك الفضيلة في إفشاء اسم الله السلام وفضل الدرجة بنشره ، لما أخرج البزار بإسناد جيد قوي والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض فأفشوه بينكم ، فإن الرجل المسلم إذا مر بقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم السلام ، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم } .

[ ص: 279 ] ومنها حصول الحسنات التي صحت بها الروايات ، فأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي وحسنه أيضا عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : { جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليكم ، فرد عليه ثم جلس ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم عشر ، ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله ، فرد فجلس فقال عشرون ، ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فرد فجلس فقال ثلاثون } ورواه أبو داود عن معاذ مرفوعا بنحوه وزاد { ثم أتى آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ، فقال أربعون هكذا تكون الفضائل }

ومنها حصول السلامة كما في حديث البراء المتقدم . ويحتمل قوله صلى الله عليه وسلم { : أفشوا السلام تسلموا } يعني في الدنيا من الإثم والبخل ، أو من أعم من ذلك من نكبات الدنيا ومن أهوال الآخرة ، وفضل الله واسع .

ومنها دخول الجنة بسلام ، يعني بأمان ; أو متلبسين بسلام ، أو مصطحبين باسم الله تعالى .

ومنها تصفية ود أخيك المسلم ، فقد روى الطبراني في الأوسط عن شيبة الحجبي عن عمه مرفوعا { ثلاث يصفين لك ود أخيك : تسلم عليه إذا لقيته ، وتوسع له في المجلس ، وتدعوه بأحب أسمائه إليه } .

ومنها حصول فضيلة الإسلام وخيريته ، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، وتقدم .

ومنها إحياء سنة أبينا آدم عليه الصلاة والسلام ، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : لما خلق الله آدم قال : اذهب فسلم على أولئك ، نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك ، فقال : السلام عليكم ; فقالوا : السلام عليك ورحمة الله ، فزادوا ورحمة الله } .

وقال مجاهد : كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يأخذ بيدي فيخرج إلى السوق يقول إني لأخرج وما لي حاجة إلا لأسلم ويسلم علي ، فأعطي واحدة واحدة وآخذ عشرا ، يا مجاهد إن السلام من أسماء الله تعالى : فمن أكثر السلام أكثر ذكر الله تعالى .

[ ص: 280 ] ومنها موافقة تحية أهل الجنة ، فإن تحية أهل الجنة فيها سلام كما قال جل شأنه : { وتحيتهم فيها سلام } والله ولي الإنعام .

التالي السابق


الخدمات العلمية