غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
مطلب : في ذكر طرف من مناقب سيدنا الإمام أحمد .

( تتمة ) في بعض مناقب سيدنا الإمام أحمد وطرف من ترجمته لمناسبة ذكره في قول الناظم على نص أحمد .

أقول : هو الإمام المبجل أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان - بالمثناة تحت - بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكاب بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب - بكسر الهاء وإسكان النون وبعدها باء موحدة - ابن أفصى - بالفاء والصاد المهملة - ابن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدناء الشيباني المروذي البغدادي . هكذا ذكره الخطيب الحافظ أبو بكر البغدادي والبيهقي وابن عساكر وغيرهم . قال ابن عبد الدائم البرماوي : الشيباني ; لأنه من بني شيبان بفتح الشين المعجمة ابن ذهل بضم الذال المعجمة ابن ثعلبة كما نسبه ولده عبد الله واعتمده الخطيب وغيره . وغلط الخطيب عباسا الدوري وأبا بكر بن داود بن مأكولا [ ص: 299 ] في قولهما إنه من ذهل بن شيبان بن ثعلبة وقال وذهل من ثعلبة هو عم ذهل بن شيبان . قال الجوهري : وشيبان حي من بكر وهما شيبانان أحدهما شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، والآخر شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة ، وهو موافق لما قال الخطيب . وقدم في المغني ذهل على شيبان والصواب تقديم شيبان كما ذكرنا . حملت به أمه بمرو وولد ببغداد ونشأ بها وأقام بها إلى أن توفي ، ودخل مكة والمدينة والشام واليمن والكوفة والبصرة والجزيرة . وسمع سفيان بن عيينة وإبراهيم بن سعد ويحيى القطان وهشيما ووكيعا وابن علية وابن مهدي وعبد الرزاق وخلائق كثيرين ذكرهم الحافظ ابن الجوزي وغيره على حروف المعجم . وروى عنه عبد الرزاق ويحيى بن آدم وأبو الوليد وابن مهدي ويزيد بن هارون وعلي بن المديني والبخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة الرازي والدمشقي وإبراهيم الحربي وأبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الأثرم وعبد الله بن محمد البغوي وأبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ومحمد بن إسحاق الصاغاني وأبو حاتم الرازي وأحمد بن أبي الحواري وموسى بن هارون وحنبل بن إسحاق وعثمان بن سعيد الدارمي وحجاج بن الشاعر وولداه والمروذي وخلائق كثيرون ذكرهم الحافظ ابن الجوزي في المناقب على حروف المعجم . واجتمع بالإمام الشافعي ، وكل منهما أخذ عن الآخر ، ولم يرو البخاري عنه في الصحيح سوى حديث واحد آخر الصدقات تعليقا . وقال الحازمي : إن البخاري روى عن الإمام أحمد حديثا ثانيا بواسطة أحمد بن الحسن الترمذي .

وفضائل الإمام أحمد رضوان الله عليه مشهورة ، ومناقبه مأثورة ، سارت بذكره الركبان ، وبلغ صيته كل قاص ودان ، وملأ ذكره الأمصار والبلدان . وكل إمام في علم رسول الله صلى الله عليه وسلم خضع له ودان . قال فيه الإمام الشافعي رضي الله عنهما : خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدا أورع ولا أتقى ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل . [ ص: 300 ] وقال أبو زرعة لولد الإمام عبد الله : كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث ، فقال له عبد الله وما يدريك ؟ فقال ذاكرته فأخذت عليه الأبواب . قلت : في ثمار منتهى العقول في منتهى النقول للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي ما نصه : انتهى الحفظ لابن جرير الطبري فريد في علم التفسير ، وكان يحفظ كتبا حمل ثمانين بعيرا

. وحفظ ابن الأنباري في كل جمعة ألف كراس وحفظ ثلاثمائة ألف بيت من الشعر استشهادا للنحو . وكان الإمام الشافعي يحفظ من مرة أو نظرة . وابن سينا الحكيم حفظ القرآن في ليلة واحدة . وأبو زرعة كان يحفظ ألف ألف حديث . والبخاري حفظ عشرها أي مائة ألف حديث . والكل من بعض محفوظ الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه انتهى . وذكر غير واحد من الحفاظ منهم ابن حجر العسقلاني أنه لم يحط أحد بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم غير الإمام أحمد بن حنبل . وهذه منقبة امتاز بها عن سائر هذه الأمة وعمن مضى ، وعمن بقي من الأئمة .

ولذا قال إبراهيم الحربي : يقول الناس أحمد بن حنبل بالتوهم والله ما أجد لأحد من التابعين عليه مزية ، ولا أعرف أحدا يقدر قدره ، ولا يعرف من الإسلام محله . قال : ولقد صحبته عشرين سنة صيفا وشتاء وحرا وبردا وليلا ونهارا فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس . ولقد كان يقدم أئمة العلماء من كل بلد وإمام كل مصر فهم بجلالتهم ما دام الرجل منهم خارجا من المسجد ، فإذا دخل المسجد ، صار غلاما متعلما

. وقال الحربي أيضا : قد رأيت رجالات الدنيا لم أر مثل ثلاثة أحمد بن حنبل وتعجز النساء أن تلد مثله ، ورأيت بشر بن الحارث من قرنه إلى قدمه مملوءا عقلا ، ورأيت أبا عبيد القاسم بن سلام كأنه جبل نفخ فيه علم . وقال عبد الوهاب الوراق : ما رأيت مثل أحمد بن حنبل . قالوا له : وأي شيء بان لك من فضله وعلمه على سائر من رأيت ؟ قال : رجل سئل عن ستين ألف مسألة فأجاب فيها بأن قال حدثنا وأخبرنا وروينا . قلت : وهذه كالأولى لا يعلم أحد من أئمة الدنيا فعلها . وقد سئل كثير من [ ص: 301 ] الأئمة عن معشار عشر ذلك فأحجم عن الجواب عن أكثرها

. وإلى هذا أشار الإمام الصرصري في لاميته بقوله :

حوى ألف ألف من أحاديث أسندت وأثبتها حفظا بقلب محصل     أجاب على ستين ألف قضية
بأخبرنا لا من صحائف نقل     وكان إماما في الحديث وحجة
لنقد صحيح ثابت ومعلل     وكان إماما في كتاب وسنة
وعلم وزهد كامل وتوكل     فمنهجه في الحق أقوم منهج
ومورده في الشرع أعذب منهل     وهدد في القرآن بالسوط والظبا
فلم يخش من تهديد سوط ومنصل     فما قال شيئا لم يقل متصديا
لنصر الهدى فردا على ألف جحفل     ومن قال في دين الهدى متخرصا
بآرائه ما لم يقل لم يعدل     فقد كان كالصديق في يوم ردة
وعثمان يوم الدار في الصبر إذ بلي     وفي الضرب إذ حلت سراويله دعا
فما فارقت حقوي محق مسرول     وسافر من بغداد من ورع إلى
خراسان في رد اليراع المسجل     ومن ورع قد كان يطوي ثمانيا
مواصلة في عسكر المتوكل     هو العلم المشهور لم يطو ذكره
ممات بل استعلى على كل معتل     إمام عظيم كان لله حجة
على نفي تشبيه ودحض معطل

وقال علي بن المديني - رحم الله روحه - : إن سيدي أحمد بن حنبل أمرني أن لا أحدث إلا من كتاب . وقال إن الله - عز وجل - أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث ، أبو بكر الصديق يوم الردة ، وأحمد بن حنبل يوم المحنة

. وقال : ما قام أحد بأمر الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قام أحمد بن حنبل قيل يا أبا الحسن ولا أبو بكر الصديق ؟ قال ولا أبو بكر الصديق ، إن أبا بكر الصديق كان له أعوان وأصحاب ، وأحمد بن حنبل لم يكن له أعوان ولا أصحاب . وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : أحمد بن حنبل إمامنا إني لأتزين بذكره

. وقال أبو بكر الأثرم : كنا عند أبي عبيد وأنا أنظر رجلا عنده ، فقال الرجل من قال بهذه المسألة ؟ فقلت من ليس في شرق ولا غرب مثله ، قال من ؟ قلت أحمد بن حنبل . قال أبو عبيد صدق ليس في شرق ولا غرب [ ص: 302 ] مثله ، ما رأيت رجلا أعلم بالسنة منه . وقال إسحاق بن راهويه رضي الله عنه : أحمد بن حنبل حجة بين الله وبين عبيده في أرضه . وقال أبو زرعة الرازي : ما رأت عيناي مثل أحمد بن حنبل في العلم والزهد والفقه والمعرفة وكل خير ، ما رأت عيناي مثله . وقال أيضا : ما رأيت أحدا أجمع منه ، وما رأيت أحدا أكمل منه . وقال المزني صاحب الشافعي : أحمد بن حنبل أبو بكر يوم الردة ، وعمر يوم السقيفة ، وعثمان يوم الدار ، وعلي يوم صفين

. وقال أبو داود السجستاني : رأيت مائتي شيخ من مشايخ العلم فما رأيت مثل أحمد بن حنبل ، لم يخض في شيء مما يخوض فيه الناس ، فإذا ذكر العلم تكلم . وقال إبراهيم الحربي : سعيد بن المسيب في زمانه ، وسفيان الثوري في زمانه وأحمد بن حنبل في زمانه . وقال عبد الوهاب الوراق : لما قال النبي صلى الله عليه وسلم { فردوه إلى عالمه } رددناه إلى أحمد بن حنبل . وكان أعلم أهل زمانه ، ومناقبه كثيرة ومآثره شهيرة رضي الله تعالى عنه ، ونفعنا بمحبته . وقد صنف في مناقبه من المتقدمين والمتأخرين جماعة كابن منده ، والبيهقي ، وشيخ الإسلام الأنصاري ، وابن الجوزي ، وابن ناصر ، وغيرهم . ومناقبه وإمامته ومآثره وسيادته وبراعته وزهادته وروايته ودرايته ومجموع محاسنه كالشمس إلا أنها لا تغرب رضي الله عنه وحشرنا في زمرته آمين . ولد رضوان الله عليه في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة ، وتوفي ببغداد يوم الجمعة لنحو من ساعتين من النهار لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين ، فمدة حياته رضي الله عنه سبعة وسبعون سنة ، ووهم المناوي في أول شرح الجامع الصغير فقال سبع وثمانون ، فزاد على عمره عشر سنين ، وهو سبق بلا شك والله الموفق

. صنف المسند ثلاثين ألف حديث غير المكرر والتفسير مائة ألف [ ص: 303 ] وعشرين ألفا ، والناسخ والمنسوخ ، والتاريخ ، وحديث شعبة ، والزهد ، والمقدم والمؤخر في القرآن ، وجوابات القرآن ، والظاهر أنه للرد على الزنادقة ، والمناسك الكبير والصغير ، وأشياء أخر .

وكان رضي الله عنه شيخا وقورا كثير التواضع يحب الفقراء ، لم ير الفقير نفسه أعز منه في مجلس الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه . وكان حسن الخلق ، دائم البشر ، لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ، يحب في الله ويبغض في الله ، وإذا أحب رجلا أحب له ما يحب لنفسه ، ويكره ما يكره لنفسه . وقال يزيد المنادي : كان الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل من أحيا الناس وأكرمهم نفسا ، وأحسنهم عشرة وأدبا ، كثير الإطراق والغض ، معرضا عن القبيح واللغو ، لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث والرجال والطرق وذكر الصالحين والزهاد ، في وقار وسكون ولفظ حسن . وإذا لقيه إنسان سر به وأقبل عليه ، وكان يتواضع تواضعا شديدا ، وكانوا يكرمونه ويعظمونه ويحبونه . وقال الطبراني : كنا في مجلس بشر بن موسى يعني ابن صالح الأسدي ومعنا أبو العباس بن سريج الفقيه القاضي ، فخاضوا في ذكر محمد بن جرير الطبري وأنه لم يدخل ذكر أحمد بن حنبل في كتابه الذي ألفه في اختلاف الفقهاء ، فقال أبو العباس بن سريج : وهل أصول الفقه إلا ما كان يحسنه أحمد بن حنبل ؟ حفظ آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعرفة بسنته واختلاف الصحابة والتابعين رضي الله عنهم . قلت : لم يبق بعدما ذكره ابن سريج رحمه الله تعالى سوى القياس والرأي ، وإنما يرجع إليه حيث لا نص ، وأحمد رضي الله عنه قد أحاط علمه بالمنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ، فهو أجدر الأئمة بالصواب والله أعلم

. ونحن والشافعية والمالكية متفقون على أنه لا يذهب إلى القياس مع وجود النص ، وإن اختلفا في الاحتجاج بأقوال الصحابة حيث لا يعارضها نص ، ولا مثلها فمذهبنا اتباع المنقول ، وتقديم خبر الرسول ، وأقوال الصحابة الفحول [ ص: 304 ] بالشروط المذكورة في الأصول على القياس والمعقول ، والله الموفق . وقال الخلال : حدثنا المروذي قال قال لي أحمد : ما كتبت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ، وقد عملت به حتى مر بي في الحديث { أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة دينارا } ، فأعطيت الحجام دينارا حين احتجمت . وقال الحسين بن إسماعيل : سمعت أبي يقول : كان يجتمع في مجلس أحمد بن حنبل زهاء على خمسة آلاف ، ويزيدون أقل من خمسمائة يكتبون ، والباقي يتعلمون منه حسن الأدب وحسن السمت

. وقال ابن مفلح في الآداب : روي من غير طريق أن الشافعي كتب من مصر كتابا وأعطاه للربيع بن سلمان وقال : اذهب به إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأتني بالجواب ، فجاء به إليه ، فلما قرأه تغرغرت عيناه بالدموع . وكان الشافعي ذكر فيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقال له : اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل واقرأ عليه مني السلام وقل إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم يرفع الله لك علما إلى يوم القيامة . فقال له الربيع البشارة ، فأعطاه قميصه الذي يلي جسده وجواب الكتاب ، فقال له الشافعي أي شيء دفع إليك ؟ قال القميص الذي يلي جسده ، قال ليس نفجعك به ، ولكن بله وادفع إلينا الماء حتى نشركك فيه . قال الربيع فغسلته وحملت ماءه إليه فتركه في قنينة وكنت أراه كل يوم يأخذ منه فيمسح على وجهه تبركا بأحمد بن حنبل رضي الله عنهم انتهى . وقد رويت هذه الحكاية من عدة طرق واشتهرت على ألسنة الخلق ، وتحلت بها الكتب المدونة ، واشتهرت في المحافل على الألسنة

. وأنشد إسماعيل بن فلان الترمذي الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه قصيدة له فيه وهو في السجن فمنها قوله :

إذا ميز الأشياء يوما وحصلوا      فأحمد من بين المشايخ جوهر
إذا افتخر الأقوام يوما بسيد     ففيه لنا والحمد لله مفخر
فيا أيها الساعي ليدرك شأوه     رويدك عن إدراكه ستقصر [ ص: 305 ]
حمى نفسه الدنيا وقد سمحت له     فمنزله إلا من القوت مقفر
فإن يك في الدنيا مقلا فإنه     من الأدب المحمود والعلم مكثر

وقال الإمام بشر الحافي رضي الله عنه : إن الإمام أحمد رضي الله عنه قام مقام الأنبياء . وقال أيضا : أدخل أحمد بن حنبل الكير فخرج ذهبة حمراء .

وقد روينا بالإسناد إلى بشر قال سمعت المعافى بن عمران يقول : سئل سفيان الثوري عن الفتوة ، فقال الفتوة العقل والحياء ، ورأسها الحافظ ، وزينتها الحلم والأدب ، وشرفها العلم والورع ، وحليتها المحافظة على الصلوات ، وبر الوالدين وصلة الرحم ، وبذل المعروف ، وحفظ الجار وترك التكبر ولزوم الجماعة والوقار وغض الطرف عن المحارم ولين الكلام وبذل السلام وأبر الفتيان العقلاء الذين عقلوا عن الله أمره ونهيه وصدق الحديث واجتناب الحلف وإظهار المودة وإطلاق الوجه وإكرام الجليس والإنصات للحديث وكتمان السر وستر العيوب وأداء الأمانة وترك الخيانة والوفاء بالعهد ، والصمت في المجالس من غير عي ، والتواضع من غير حاجة ، وإجلال الكبير ، والرفق بالصغير ، والرأفة والرحمة للمسكين ، والصبر عند البلاء ، والشكر عند الرخاء وكمال الفتوة الخشية لله عز وجل فينبغي للفتى أن تكون فيه هذه الخصال ، فإذا كان كذلك كان فتى حقا . قال بشر : وكذلك كان أحمد بن حنبل فتى ; لأنه قد جمع هذه الخصال كلها .

( خاتمة ) ذكر ابن الجوزي وغيره من الأئمة أنه لما توفي الإمام أحمد رضوان الله عليه وجه ابن طاهر بمناديل فيها ثياب وطيب ، فقال الرسول لولده صالح : الأمير يقرئك السلام قد فعلت ما لو كان أمير المؤمنين حاضرا لكان فعله قال صالح فأرسلت إليه أن أمير المؤمنين قد كان أعفاه مما يكره ، وهذا مما يكره ، فعاد إليه الرسول يقول يكون شعاره ولا يكون دثاره ، فأعدت إليه مثل ذلك فرد ذلك ، ولم يقبله . وكانت جارية الإمام رضي الله عنه أعدت له ثوبا عشاريا من غزلها ، قدر بثمانية وعشرين درهما فقطعوه له لفافتين وأخذوا من فوران لفافة أخرى . [ ص: 306 ] قال ولده فأدرجناه في ثلاث لفائف واشترينا له حنوطا ، وحضره نحو من مائة من بني هاشم عند تكفينه ، فجعلوا يقبلون جبهته حين وضع على السرير . وأما الجمع الذي صلوا عليه فلم يسمع في الجاهلية والإسلام بمثله . قاله عبد الوهاب الوراق . وقد حزر الموضع مسحه على التصحيح فإذا هو نحو من ألف ألف ، وحزرنا على السور نحوا من ستين ألفا من النساء . وفي رواية فإذا هو ألف ألف وستمائة ألف سوى ما كان في السفن . وفي أخرى ألفي ألف وخمسمائة ألف . وقال عبد الله بن الإمام عن والده : قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم يوم الجنائز . ويروى أنه لم تر جنازة مثلها إلا جنازة في بني إسرائيل رضي الله عنه ووقع المأتم بسبب موته رضي الله عنه في أربعة أصناف من الناس ، المسلمين واليهود والنصارى والمجوس ، وأسلم يوم موته عشرون ألفا من اليهود والنصارى والمجوس . قلت : وقد روي أن جميع الجن حضرت جنازته إلا المردة . ذكره ابن الجوزي . ونعته الجن المؤمنون . وإلى ما ذكرنا أشار الصرصري رحمه الله في اللامية بقوله :

وعشرون ألفا أسلموا حين عاينوا     جنازته من كل صنف مضلل
وصلى عليه ألف ألف موحد     وستمئي ألف فأعظم وأكمل
فقد بان بعد الموت للناس فضله     كما كان حيا فضله ظاهر جلي
أقر له بالفضل أعيان وقته     وأثنوا عليه بالثناء المبجل

إلى ما يطول نقله ، ويكثر عله ونهله . وجميع ما ذكرنا من مآثره بالنسبة لما لم نذكره كقطرة من بحر لجي . وإنما حلينا كتابنا هذا بطرف من ذكره ومناقبه ومآثره لتحصل له بركة ذكره . فرضوان الله عليه ، وأماتنا الله على طريقه وحبه ، ببركة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وآله وحزبه إنه جواد كريم ، رءوف رحيم .

التالي السابق


الخدمات العلمية